من الذكاء الصناعي إلى الرقائق.. أكاديمية الاستخبارات ترسم فرص تركيا ومخاطرها
تركيا
7 دقيقة قراءة
من الذكاء الصناعي إلى الرقائق.. أكاديمية الاستخبارات ترسم فرص تركيا ومخاطرهالم تعد المنافسة بين القوى الكبرى تدور فقط حول الجيوش والنفوذ السياسي والسيطرة على الممرات والموارد، بل باتت التكنولوجيا، من الذكاء الصناعي وأشباه الموصلات إلى المعادن الحرجة والبنية التحتية للحوسبة والطاقة، جزءاً متزايد الأهمية من معادلات القوة.
لا تنظر الدراسة إلى النظام الناشئ باعتباره انقساما بسيطا بين معسكر تقوده واشنطن وآخر تقوده بكين، بل ترى أن خريطة أكثر تعقيدا آخذة في التشكل، تقوم على

هذا التحول هو محور تقرير جديد أصدرته أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية بعنوان "التحالفات والمنافسة الاستراتيجية وتركيا في النظام التكنوسياسي"، يبحث في كيفية انتقال التكنولوجيا من عنصر يدعم القوة الاقتصادية والعسكرية إلى عامل يعيد تشكيل توزيع القوة والعلاقات بين الدول، ويرسم حدوداً جديدة للتحالفات والشراكات.

ويقول رئيس الأكاديمية، الأستاذ الدكتور طلحة كوسه، في تقديمه للتقرير، إن الهدف من الدراسة ليس فقط تفسير التحول الذي أحدثته المنافسة التكنوسياسية في علاقات القوة والتحالفات، وإنما رصد الأشكال المؤسسية والاقتصادية التي يتخذها في القطاعات المختلفة، وقراءة موقع القوى المتوسطة، وفي مقدمتها تركيا، في ضوء الاستراتيجيات التي تطورها الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.

ولا تنظر الدراسة إلى النظام الناشئ باعتباره انقساماً بسيطاً بين معسكر تقوده واشنطن وآخر تقوده بكين، بل ترى أن خريطة أكثر تعقيداً آخذة في التشكل، تقوم على "التمايز القطاعي" و"الهندسة المتغيرة" للتحالفات؛ إذ يمكن للدولة أن تتعاون مع مجموعة من الفاعلين في الذكاء الصناعي، وترتبط بشبكة مختلفة في أشباه الموصلات، وتبني شراكات أخرى في المعادن الحرجة والطاقة.

ويضيف كوسه بُعداً آخر إلى هذه المعادلة، يتمثل في شركات التكنولوجيا التي لا تتحرك بالضرورة وفق أولويات الدول، وإنما تمتلك مصالحها وشبكاتها الخاصة، ما يجعل المنافسة التكنوسياسية أوسع من مجرد صراع بين الحكومات، ويدخل الشركات ومنظومات البحث والصناعة والتكنولوجيا في صلب التحالفات والدبلوماسية الجديدة.

ومن هنا، لا يحاول التقرير الإجابة عن سؤال: إلى أي كتلة ينبغي لتركيا أن تنضم؟ بل ينطلق، بحسب كوسه، من سؤال مختلف: ما العلاقات التي تستطيع أنقرة تحويلها إلى قدرات استراتيجية؟ وما أوجه الاعتماد التي ينبغي لها إدارتها بما يحافظ على استقلاليتها الاستراتيجية ويرفع ثقلها النوعي؟

وبذلك، ينتقل النقاش من الاختيار التقليدي بين الغرب والشرق، أو بين واشنطن وبكين، إلى البحث عن المجالات التي تستطيع تركيا أن تبني فيها قدرات يصعب الاستغناء عنها، وتحويل موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتعددة إلى نفوذ تكنولوجي وإنتاجي أكثر استدامة.

أمن قومي

تعود الدراسة إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، عندما توسعت التجارة الدولية وسلاسل القيمة العالمية، وانتشرت عمليات الإنتاج بين دول ومناطق مختلفة، انطلاقاً من افتراض أن الأسواق المفتوحة والاعتماد الاقتصادي المتبادل يوفران الكفاءة ويرفعان، في الوقت نفسه، تكلفة الصراع بين الدول.

لكن تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى خلال السنوات الأخيرة، وتداخل الاستخدامين العسكري والمدني للتكنولوجيات المتقدمة، كشف وجهاً آخر لهذا الاعتماد.

فإذا كانت دولة تعتمد على طرف آخر في تكنولوجيا أو مادة يمكن استبدالها بسهولة، تظل المخاطر محدودة نسبياً، لكن المعادلة تختلف عندما يتعلق الأمر بالرقائق المتقدمة أو المعادن الحرجة أو الحوسبة أو البنية التحتية والقدرات الإنتاجية التي يصعب إيجاد بدائل لها.

وبحسب الدراسة، لم تعد المشكلة في وجود الاعتماد المتبادل نفسه، بل في مدى عدم تكافئه وإمكانية استخدامه أداة للضغط؛ فالدولة أو الشركة التي تتحكم في تكنولوجيا يصعب الاستغناء عنها، أو في حلقة حيوية داخل سلسلة الإنتاج، تستطيع، في ظروف الأزمات، تحويل موقعها الاقتصادي إلى مصدر نفوذ سياسي.

ولهذا، لم تعد الحكومات تبحث فقط عن المنتج الأرخص والأكثر كفاءة، بل باتت تنظر أيضاً إلى موثوقية المورد، وإمكانية الوصول إلى مصادر بديلة، وقدرتها على الاحتفاظ بالإنتاج في حالات الأزمات.

ومن هنا، دخلت مفاهيم مثل أمن سلاسل التوريد والتخزين الاستراتيجي وتنويع الموردين وضوابط التصدير وفحص الاستثمارات والسياسات الصناعية في صلب حسابات الأمن القومي.

تحالفات جديدة

لا يعني ذلك، بحسب الدراسة، أن العالم يعود ببساطة إلى نظام الكتل الذي عرفه خلال الحرب الباردة، فالاختلاف أن التكنولوجيا كانت آنذاك تتحرك في الأغلب داخل تحالفات سياسية وعسكرية تشكلت مسبقاً، بينما يمكن للتكنولوجيا اليوم أن تسهم بنفسها في تحديد حدود بعض الشراكات والتحالفات.

وتطلق الدراسة على هذه الحالة مفهوم "التكتل التكنوسياسي"، لكنها تصف المرحلة الراهنة بأنها أقرب إلى "التكتل المنضبط"، إذ تستمر التجارة والاستثمارات بين القوى المتنافسة، في الوقت الذي يعاد فيه تنظيم القطاعات الأكثر حساسية حول شبكات من الشركاء الموثوقين.

ويختلف حجم هذا التكتل من قطاع إلى آخر؛ ففي الذكاء الصناعي، لا تزال هناك منصات واسعة تجمع دولاً متنافسة لمناقشة الحوكمة والسلامة والمعايير، بينما تصبح الدائرة أضيق في أشباه الموصلات، نظراً إلى ارتباطها المباشر بالصناعات الدفاعية والذكاء الصناعي والبنية التحتية المتقدمة.

أما المعادن الحرجة، فتظهر فيها معادلة مختلفة تجمع بين امتلاك الموارد والقدرة على معالجتها وتكريرها وتحويلها إلى منتجات متقدمة، إضافة إلى التمويل والاستثمار. وفي تقنيات الطاقة، تتداخل المنافسة الصناعية مع الحاجة إلى التعاون الدولي في البحث والتطوير والتمويل.

وبذلك، قد تتعاون الدولة مع مجموعة من الفاعلين في الذكاء الصناعي، وتنتمي إلى شبكة أضيق في أشباه الموصلات، وتبني شراكات مختلفة تماماً في المعادن والطاقة، وتسمي الدراسة ذلك "الهندسة المتغيرة" للتحالفات.

ثلاثة نماذج للقوة

ضمن هذه الخريطة، تحدد أكاديمية الاستخبارات ثلاثة نماذج رئيسية للقوة التكنوسياسية، تمثلها الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.

وتستند القوة الأمريكية، وفق الدراسة، إلى التفوق التكنولوجي والقدرة على تنظيم شبكات من الحلفاء والشركاء حول التكنولوجيا والأمن وسلاسل التوريد.

وتظهر هذه المقاربة في مبادرات تتعلق بأشباه الموصلات والذكاء الصناعي والمعادن الحرجة، إذ تسعى واشنطن إلى إبقاء الحلقات الحساسة داخل شبكات من الشركاء الموثوقين، مع استخدام ضوابط التصدير والاستثمارات والسياسات الصناعية للتحكم في الوصول إلى التكنولوجيا.

أما الصين، فتعتمد بدرجة أكبر على حجم الإنتاج والعمق الصناعي وقدرتها على بناء سلاسل توريد واسعة، بالتوازي مع سعيها إلى تقليل نقاط الضعف الناتجة عن الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية.

وفي المقابل، يسعى الاتحاد الأوروبي لتحويل قوة مختلفة يمتلكها، وهي السوق الكبيرة والقدرة على سن القواعد والمعايير، إلى نفوذ تكنولوجي وصناعي، عبر الجمع بين التشريعات والاستثمارات والسياسات الصناعية.

أين تقف القوى المتوسطة؟

لكن الدراسة لا تحصر المنافسة بهذه القوى، فدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند والسعودية وبريطانيا تحاول بدورها بناء مواقع داخل النظام الجديد، ليس عبر منافسة الولايات المتحدة والصين في كل شيء، وإنما من خلال التخصص في قطاعات أو حلقات محددة.

وهنا تظهر الفكرة التي تعتمد عليها الدراسة في قراءة القوى المتوسطة: لا يشترط أن تمتلك الدولة سلسلة التكنولوجيا بأكملها حتى تصبح مؤثرة، وإنما يمكنها بناء وظيفة يصعب الاستغناء عنها داخل جزء محدد منها.

فقد لا تكوّن دولة ما قوة في تصنيع الرقائق، لكنها تمتلك مورداً حرجاً، أو قدرات متقدمة في التصميم أو التغليف والاختبار، أو سوقاً مهمة، أو بنية صناعية يحتاج إليها الآخرون. وبذلك، يصبح السؤال للقوى المتوسطة: أين يمكن بناء هذه الوظيفة؟

ماذا تملك تركيا؟

تنطلق الدراسة في تقييمها لتركيا من مجموعة من المزايا: اندماج اقتصادي وصناعي واسع مع أوروبا، وعضوية في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وقاعدة صناعية، وموقع جغرافي يصل أوروبا بالشرق الأوسط والقوقاز وآسيا، إلى جانب علاقات اقتصادية وسياسية تمتد إلى مناطق مختلفة.

لكنها ترى أن امتلاك هذه العناصر لا يجعل تركيا تلقائياً قوة تكنوسياسية. فالموقع الجغرافي، مثلاً، يمنح تركيا أهمية استراتيجية، لكنه لا يضمن لها موقعاً متقدماً في سلاسل القيمة ما لم يقترن بقدرات في البحث والتطوير والإنتاج والبيانات والحوسبة والموارد البشرية والتمويل.

وتضع الدراسة يدها هنا على ما تعتبره التحدي الأساسي أمام أنقرة: تحويل مزاياها الجيوسياسية إلى قدرات إنتاجية وتكنولوجية يصعب استبدالها.

ففي الذكاء الصناعي، ترى أن الفرصة التركية تتركز في التطبيقات والتكييف أكثر من منافسة الشركات الأمريكية والصينية في تطوير أضخم النماذج الأساسية.

وتشير إلى قطاعات مثل الدفاع والخدمات العامة والتمويل والصناعة والخدمات اللوجستية، إلى جانب تطوير نماذج وتطبيقات تستفيد من اللغة التركية والبيانات المحلية.

أما في أشباه الموصلات، فتعتبر دخول تركيا إلى أكثر حلقات تصنيع الرقائق تقدماً أمراً بالغ الصعوبة بسبب متطلبات رأس المال والتكنولوجيا، لكنها ترى فرصاً في مجالات مثل التغليف والاختبار وإلكترونيات القدرة وبعض التطبيقات المرتبطة بالدفاع والسيارات والتصميم المتخصص.

وفي المعادن الحرجة، تدعو إلى تجاوز الاكتفاء باستخراج الموارد باتجاه معالجتها وتكريرها وتحويلها إلى منتجات وسيطة ذات قيمة مضافة أعلى. كما ترى أن قطاع الطاقة يمكن أن يمنح تركيا فرصاً مرتبطة بالتخزين والشبكات ومعدات الطاقة والبنية التحتية اللازمة لمراكز البيانات والصناعة المتقدمة.

ثلاثة خيارات

في ضوء هذه المعطيات، تضع الدراسة ثلاثة مسارات استراتيجية أمام تركيا:

الأول يقوم على تعميق الاصطفاف مع المنظومة الغربية، وهو خيار يوفر مستوى أعلى من القدرة على التنبؤ والوصول إلى بعض الشبكات التكنولوجية، لكنه قد يقلل مرونة أنقرة في علاقاتها مع القوى الأخرى.

والثاني يقوم على الموازنة بين الكتل المختلفة، وهو يمنح تركيا هامشاً أكبر للحركة، لكنه قد يتحول إلى تشتت إذا لم تحدد أنقرة أولويات واضحة لكل قطاع.

أما الخيار الثالث، الذي تميل إليه الدراسة، فيقوم على "الاندماج الانتقائي" بالتوازي مع بناء القدرات الوطنية. ويعني ذلك استمرار التكامل الصناعي والتنظيمي مع أوروبا، والتعاون الأمني والتكنولوجي في المجالات الحرجة مع الولايات المتحدة والناتو، مع الاحتفاظ بعلاقات اقتصادية مدروسة مع الصين وغيرها من القوى، بحيث تختلف طبيعة العلاقة بحسب القطاع.

وفي المحصلة، لا ترى الدراسة أن هدف تركيا الواقعي يجب أن يكون تحقيق الاكتفاء التكنولوجي أو منافسة القوى الكبرى في جميع القطاعات، بل اختيار عدد محدود من سلاسل القيمة وبناء قدرات يصعب الاستغناء عنها داخلها.

وهنا تتغير أيضاً دلالة "الاستقلال الاستراتيجي"، فالاستقلال، وفق هذا التصور، لا يعني البقاء خارج الشبكات والتحالفات، وإنما امتلاك القدرة على اختيار الشبكة التي تدخل إليها تركيا، والقطاع الذي تتعاون فيه، والشروط التي تحكم هذا التعاون.

وبذلك، يصبح التحدي أمام أنقرة أكبر من مجرد الحفاظ على التوازن بين واشنطن وبكين أو بين الغرب والشرق. فالقيمة الحقيقية لموقع تركيا ستتحدد بقدرتها على تحويل الجغرافيا والتحالفات والعلاقات الاقتصادية إلى تكنولوجيا وإنتاج وقدرات وطنية.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
الذكرى الـ104 لـ"عيد النصر".. مسؤولون أتراك: 30 أغسطس يجسد إرادة الشعب في الاستقلال ورفض الخضوع
أمينة أردوغان تحيي ذكرى يوم النصر: إرادة الوطن حققت المستحيل
في عيد النصر.. الرئيس أردوغان: تركيا تواصل الدفاع عن السلام والوقوف إلى جانب المظلومين
عملية تركية-صومالية مشتركة تحرر سفينة شحن من قبضة القراصنة
الخارجية التركية تدعو إلى ضبط النفس واستعادة الهدوء في النيجر
هجمات إسرائيلية جديدة على غزة.. شهداء ومصابون واستهداف لمخازن الأدوية والمزارعين
أنقرة: افتراءات إسرائيل بحق رئيسنا تعكس العقلية الجبانة لعصابة نتنياهو
ليبيا.. تكالة يعتذر عن مراسم توقيع اتفاق "4+4" والمجلس الرئاسي  يشترط الاطلاع على نصه
تركيا تستدعي سفير أوكرانيا بعد استهداف سفينتين في البحر الأسود
الجيش السوداني يدفع بلواء النخبة إلى محور بكوري بولاية النيل الأزرق
الكويت ومصر تبحثان التطورات الإقليمية وجهود تعزيز أمن المنطقة
"معركة من أجل البقاء".. اتهامات الفساد تلاحق نتنياهو قبيل خوضه انتخابات قد يخسرها
القدس: انسحاب إسرائيل من معهد قلنديا لا ينهي سيطرتها عليه.. والأونروا تتعهد بمواصلة أنشطتها
عقب خطوة من واشنطن.. بنك مصر يؤكد دراسة الإجراء التنظيمي الأمريكي المتعلق بإيران
استشهاد مزارع فلسطيني برصاص جيش الاحتلال في غزة وارتفاع حصيلة الإبادة إلى 73 ألفاً و449 شهيداً