وأوضح بيستوريوس، الأربعاء في برلين، أن قوام الجيش، بما في ذلك قوات الاحتياط، سيصل إلى ما لا يقل عن 460 ألف رجل وامرأة، مشيراً إلى أن الهدف هو بناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا.
وترافق الاستراتيجية وثيقة أخرى تترجم الأهداف السياسية إلى قدرات عسكرية، وعالجت قضايا تطوير القدرات، وخطة لتوسيع قوام الجيش، وإعادة تنظيم قوات الاحتياط.
وتحمل الاستراتيجية عنوان "المسؤولية تجاه أوروبا"، في إشارة إلى توجه برلين إلى تعزيز دورها الأمني داخل القارة وفي إطار حلف شمال الأطلسي.
"الحرب تعود إلى أوروبا"
وفي كلمته الافتتاحية في الوثيقة أكد رئيس هيئة الدفاع الألماني، الجنرال كارستن بروير، أن الحرب عادت إلى أوروبا، ما يفرض -وفق تعبيره- ضرورة الاستعداد وتعزيز الجاهزية لحماية ألمانيا وحلفائها.
وأوضح بروير أن التعامل مع التحديات الراهنة يتطلب مقاربة شاملة غير مجزأة، تقوم على فهم التهديدات ضمن سياقها الأمني، والعمل بتنسيق وثيق مع الحلفاء والشركاء.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن الاستراتيجية العسكرية الجديدة تعكس توجهاً نحو اضطلاع ألمانيا بدور قيادي داخل حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك على المستوى العسكري، انطلاقاً من كونها أكبر اقتصاد في أوروبا، وفي ظل بيئة تهديد تتسم بتزايد التعقيد والحدة.
واعتبر أن هذا التحول يمثل نقلة نوعية في العقيدة الدفاعية الألمانية، ويعزز طموح برلين للقيام بدور أكثر فاعلية داخل الحلف.
وبيّن أن ملف قدرات الجيش الألماني الجديد يجمع بين أهداف الناتو والأهداف الوطنية، ويربط بين التوجيهات السياسية الدفاعية ومتطلبات الاستراتيجية العسكرية، بما يسهم في تحديد الاحتياجات العسكرية اللازمة لتمكين الجيش الألماني من أداء دوره المتوسع، حاضراً ومستقبلاً.
وأضاف أن الخطة الجديدة للقوات المسلحة، التي تستند إلى طبيعة الحروب المعاصرة، تمتد بآفاقها إلى المدى البعيد، مع تركيز واضح على الابتكار في مجالات التسليح وتدريب الأفراد.
وشدد على أن معيار القوة لم يعد يقاس بعدد الدبابات أو الطائرات أو الأفراد، بل بجودة القدرات العسكرية، معتبراً أن هذا التصور يشكل الأساس لعملية تطوير البوندسفير في المرحلة المقبلة.
التهديد روسيّاً
وتركز الاستراتيجية الالمانية الجديدة على روسيا بوصفها التهديد الأكبر والأكثر مباشرة للأمن الألماني والأوروبي وعبر الأطلسي في المدى المنظور.
ويُنظر إلى هذا التهديد باعتباره شاملاً، إذ تعمل موسكو - وفق الوثيقة - دون عتبة الحرب لاستهداف عناصر الدولة في ألمانيا، وتستثمر في النزاعات المحيطة بها، مع امتلاكها قدرات تسليحية بعيدة المدى تتيح لها تهديد أوروبا من عدة اتجاهات.
وتشير الوثيقة إلى أن روسيا تتعامل مع الغرب كخصم إستراتيجي، وتعتبر توسع الناتو منذ نهاية الحرب الباردة محاولة لتطويقها.
ومن هذا المنطلق، تسعى موسكو وفقاً للوثيقة إلى إعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي، عبر إضعاف تماسك الحلف وفصل الولايات المتحدة عن أوروبا استراتيجياً، بما قد يفضي إلى توسيع نطاق نفوذها داخل القارة، بما يشمل دول البلطيق ودولاً كانت ضمن حلف وارسو سابقاً.
وتحذر التقديرات الألمانية من أن روسيا تعمل على تهيئة الظروف لشن هجوم محتمل على دول الناتو، بالتوازي مع تنفيذ عمليات "هجينة" تشمل التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل، بهدف تقويض ثقة المجتمعات بمؤسساتها.
وفي سياق متصل، تشير الوثيقة إلى أن موسكو تسعى أيضاً إلى توسيع نطاق حضورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من خلال تعزيز قدرات أسطولها في المحيط الهادئ، مدعوماً بالقوات الجوية والفضائية وقوات الصواريخ الاستراتيجية، مع العمل على خلق بؤر توتر متعددة في تلك المنطقة لاستنزاف القدرات الأمريكية.
"الدفاع الشامل"
تعكس الاستراتيجية العسكرية الألمانية تغيراً واضحاً في طبيعة الحروب اليوم، إذ لم تعد المعارك تقتصر على جبهات عسكرية تقليدية، بل أصبحت تشمل الدولة والمجتمع والاقتصاد معاً، مع تراجع الفاصل بين العسكري والمدني وبين الحرب والسلم.
وتوضح الوثيقة أن الحروب الحديثة تعتمد على مزيج من الأدوات القديمة والحديثة في الوقت نفسه، حيث تُستخدم تقنيات متقدمة مثل الذكاء الصناعي والأنظمة غير المأهولة إلى جانب وسائل بسيطة ومنخفضة التكلفة.
كما أصبحت البيانات عنصراً حاسماً في القتال، مع صعوبة إخفاء التحركات بسبب انتشار وسائل الرصد، إضافة إلى تزايد أهمية الضربات بعيدة المدى التي تقلل من وجود مناطق آمنة.
كما تشير إلى أن إنتاج كميات كبيرة من الأنظمة منخفضة التكلفة بات عاملاً مهماً في الحروب، إلى جانب الأسلحة المتطورة، ما يعيد الاهتمام بعامل الكمية إلى جانب الجودة.
وفي ضوء هذه التغيرات، تؤكد الاستراتيجية أن على الجيش الألماني العمل ضمن مفهوم "الدفاع الشامل"، من خلال التعاون مع مؤسسات الدولة وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود. كما تشدد على ضرورة تطوير القدرات التكنولوجية بسرعة، وتحقيق تفوق في مجال المعلومات، بخاصة في الفضاء السيبراني.
وتبرز أيضاً أهمية التنسيق بين مختلف مجالات القتال، إلى جانب تطوير قدرات الضربات بعيدة المدى وأنظمة الحماية. وفي الوقت نفسه، يجري التركيز على تسريع العمليات العسكرية باستخدام التكنولوجيا، مع الحفاظ على توازن بين الأسلحة المتقدمة والأنظمة منخفضة التكلفة لضمان الجاهزية والاستمرارية.
"أقوى جيش تقليدي في أوروبا"
تسعى ألمانيا، وفق استراتيجيتها العسكرية الجديدة، إلى تحويل جيشها "البوندسفير" إلى أقوى جيش تقليدي في أوروبا بحلول عام 2039، عبر خطة طويلة المدى تأخذ في الحسبان طبيعة التهديدات المتصاعدة التي تواجه القارة الأوروبية وحلف شمال الأطلسي.
وتقوم هذه الخطة على ثلاث مراحل رئيسية، لكل منها أهداف محددة. ففي المرحلة الأولى، يتركز الجهد على رفع القدرة الدفاعية وتعزيز الجاهزية القتالية، وتمكين القوات من الاستجابة الفورية لأي تهديد.
أما المرحلة الثانية، فتهدف إلى تطوير الجيش ليضطلع بدور قيادي أوروبي داخل الحلف، بحيث يشارك مع حلفائه في توفير ردع موثوق، والاستعداد للمساهمة في مهام الدفاع الجماعي عند الضرورة.
وفي المرحلة الثالثة، تسعى ألمانيا إلى بناء جيش متفوق تكنولوجياً يعتمد على الابتكار، بما يعزز مكانته كأقوى قوة عسكرية تقليدية في أوروبا، ويدعم دور برلين في منظومة الأمن الإقليمي.
وتؤكد الوثيقة أن نجاح هذه الخطة مرهون باستمرارية الإجراءات التي تُطلق في المرحلة الأولى، بحيث تمتد آثارها إلى المراحل اللاحقة، مع التشديد على ضرورة إدخال أنظمة تسليح حديثة منذ البداية.
وفي هذا السياق، يتخلى "ملف القدرات" الجديد عن المعايير التقليدية القائمة على عدد المعدات-مثل الدبابات أو الطائرات أو السفن- ويتجه نحو نموذج تخطيط مرن يقوم على تحقيق "التأثير".
كما تتضمن خطة تطوير الموارد البشرية زيادة عدد الجنود العاملين من 185.420 حالياً إلى 260.000 بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، بالتوازي مع رفع عدد قوات الاحتياط من نحو 60.000 إلى ما لا يقل عن 200.000، ليصل العدد الإجمالي إلى قرابة 460.000 جندي جاهز للقتال.
وسبق للحكومة الألمانية أن رفضت إعادة العمل بنظام التجنيد الإلزامي الذي عُلّق في عام 2011، وقررت بدلاً من ذلك الاعتماد في المرحلة الحالية على الخدمة العسكرية الطوعية.
وفي هذا الإطار، أوضحت نائبة المفتش العام للقوات المسلحة، نيكول شيلينغ، أن وتيرة التجنيد ارتفعت بنسبة 10% مقارنة بالعام الماضي، فيما زادت طلبات الالتحاق بنسبة 20%.
ويتمثل الهدف النهائي المعلن في أن يصبح الجيش الألماني القوة القتالية التقليدية الأقوى في أوروبا بحلول عام 2039.
أما قوات الاحتياط، التي كانت تُعامل سابقاً كقوة ثانوية لا تُفعّل إلا في حالات الطوارئ، فقد جرى إعادة تعريف دورها لتكون على قدم المساواة مع القوات النظامية، ضمن استراتيجية جديدة تتيح لها تولي مهام الدفاع الداخلي، وضمان عمل ألمانيا كمركز لوجستي للقوات الحليفة المتجهة شرقاً في أوقات الأزمات.
وتشمل الحزمة أيضاً برنامجاً واسعاً لتقليل البيروقراطية وتحديث الجيش، يتضمن 153 إجراءً عملياً و580 خطوة تنفيذية، تهدف إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتسريع الرقمنة، وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية داخل المؤسسة العسكرية.














