بدأت القصة منتصف سبتمبر/أيلول، حين تلقى الأهالي معلومات عن أشخاص يُشتبه بأنهم مستوطنون يتجولون في الأراضي المحيطة بالبلدة، وسط حديث عن محاولة إقامة بؤرة استيطانية.
وقال رئيس اللجنة الشعبية في مجد الكروم، رؤوف حمودة، لـTRT عربي، إن الأهالي عاينوا في منطقة الروس مجموعة من "فتية التلال"، قالوا إنهم قدموا من مستوطنة جنوب الخليل لإقامة مزرعة مواشٍ.
وأضاف أن طبيعة الخيام والمنشآت أثارت الشكوك في أن الموقع يمثل نواة لبؤرة استيطانية، وخصوصاً مع عدم وجود مظاهر للرعي. وأوضح أن عدد الموجودين تراوح بين أربعة وخمسة أشخاص، وارتفع أحياناً إلى نحو 15، مع توافد أعداد أكبر خلال الأعياد.
وتبلغ مساحة القطعة نحو 8.7 دونم، نصفها مملوك للمواطن سعيد كبت، والنصف الآخر للصندوق القومي اليهودي. وقال كبت لـTRT عربي، إن حدود الملكية بين الطرفين غير محددة، مضيفاً: "لا نعلم أي مساحة هي لي، وأي مساحة هي لهم، لذلك فإن أي وجود في المكان يجب أن يكون بموافقتي".
من جهته، قال رئيس مجلس مجد الكروم المحلي، سليم صليبي، لـTRT عربي، إن المجلس تلقى بلاغات من الأهالي ورسائل تحذيرية من جهات في الوسط اليهودي. وأضاف أن مئات الشبان توجهوا إلى الموقع بعد تثبيت الخيام وطالبوا الموجودين بالمغادرة، قبل وصول الشرطة.
وأوضح صليبي أن المجلس طالب لجنة التخطيط والبناء بإنفاذ القانون بشأن الخيام غير المرخصة، وتواصل مع مركز «عدالة» وأعضاء في الكنيست وإدارة الصندوق القومي اليهودي.
وربط صليبي ما يجري بتصريحات لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش بشأن نقل تجربة الاستيطان من الضفة الغربية إلى الجليل، وبتصريحات لوزير الأمن يسرائيل كاتس في مدينة كرمئيل المجاورة، وهو ما عزز، بحسب صليبي، مخاوف الأهالي من أن تتجاوز القضية مجرد إقامة خيام في المنطقة.
الهبة الشعبية والمسار القانوني يحسمان أمر الإخلاء
مع اتضاح طبيعة الموقع والمنشآت في منطقة "الروس" جنوبي مجد الكروم، تحرك المجلس المحلي واللجنة الشعبية في مسارين متوازيين: قانوني، بالتعاون مع مركز " عدالة" وصاحب الأرض سعيد كبت، وشعبي تمثل في الحضور الاحتجاجي اليومي لأهالي البلدة والبلدات المجاورة.
وقال رئيس اللجنة الشعبية في مجد الكروم، رؤوف حمودة، لـTRT عربي، إن فحص الوضعية العقارية أظهر أن جزءاً من الأرض خضع للمصادرة منذ ستينيات القرن الماضي ويتبع لسلطات إسرائيلية، فيما يعود الجزء الآخر إلى ملكية خاصة لسعيد كبت.
وأضاف أن مركز "عدالة" تولى إعداد المكاتبات القانونية للجهات المختصة، فيما تقدم كبت بشكوى رسمية إلى الشرطة الإسرائيلية مطالباً بإزالة المنشآت المقامة على الأرض.
وبالتوازي، انطلق التحرك الشعبي، إذ حضر المئات من شبان مجد الكروم يومياً في المنطقة منذ ساعات المساء وحتى وقت متأخر من الليل، قبل أن تنضم إليهم وفود من البلدات المجاورة.
وعن المواجهة الميدانية، قال رئيس المجلس المحلي سليم صليبي لـTRT عربي إن المجلس قرر مواصلة التحرك الجماهيري، تحت شعار: «إن بقيتم هنا فنحن هنا، ولن نغادر المكان ما دمتم جاثمين فيه».
وأضاف أن المئات من عناصر الشرطة وحرس الحدود انتشروا في المنطقة وأغلقوا المنافذ المؤدية إليها، ما اضطر بعض الأهالي إلى السير نحو 40 دقيقة للوصول إلى مكان الاحتجاج.
وبحسب صليبي، أعلنت الشرطة المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة» أربع مرات خلال خمسة أيام من الاحتجاجات، وطالبت الأهالي بفض الاعتصام، بينما وقعت مواجهات محدودة مع الشبان، وانتهت التحركات بصدور قرار يقضي بعدم قانونية المعسكر وضرورة تفكيكه.
وفي 17 سبتمبر/أيلول، أُزيلت المنشآت والخيام، وأصدر المجلس المحلي واللجنة الشعبية بياناً اعتبر فيه الإخلاء نتيجة للتكاتف الشعبي والمسار القانوني.
ترتيبات جديدة للرعي
غير أن إزالة الخيام لم تنهِ القضية، إذ أعلن الصندوق القومي اليهودي استمرار نشاط الرعي في المنطقة. وفي 22 سبتمبر/أيلول، أُعلن عن ترتيبات جديدة تقضي بنقل نقطة الرعي مئات الأمتار عن موقع الاحتكاك السابق، والاستعانة بمستوطنين محليين بدلاً من المجموعة القادمة من الضفة الغربية.
ويرى حمودة أن القضية تتجاوز الخلاف بشأن نشاط رعوي، ويربطها بتوجهات حكومية تتعلق بتعزيز الوجود اليهودي في الجليل ونقل نماذج من الاستيطان الرعوي المعمول بها في الضفة الغربية إلى المنطقة.
وأشار إلى مؤتمر عُقد في كرمئيل في 29 يوليو/تموز، وتناول خططاً حكومية لتوسيع الاستيطان في الجليل، مضيفاً أن أحداث «الروس» أثارت مخاوف الأهالي بسبب ما يتابعونه من نشاط مجموعات «فتية التلال» في الضفة الغربية.
وقال حمودة إن تجربة مجد الكروم أظهرت، من وجهة نظره، أهمية الجمع بين العمل القانوني والتحرك الشعبي، معتبراً أن إزالة الموقع الأول أثبتت قدرة التنظيم الجماهيري على التأثير. لكنه حذر من أن المحاولة قد لا تكون الأخيرة، داعياً اللجان الشعبية والسلطات المحلية إلى متابعة أي تحركات مشابهة.
زيارة سموتريتش والبعد السياسي
وفي 24 سبتمبر/أيلول، عادت القضية إلى الواجهة بعد زيارة وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى منطقة «الروس»، وسط إجراءات أمنية مشددة.
وجاءت الزيارة في سياق طرح سموتريتش خطة تحمل اسم «تهويد النقب والجليل»، تتضمن، وفق ما أعلنه، استقدام مليون يهودي وإقامة عشرات البلدات والمزارع الرعوية الجديدة.
وقال صليبي لـTRT عربي، إن «الأزمة لم تنتهِ بعد»، مشيراً إلى تصريحات سموتريتش بشأن أحداث مجد الكروم، وإلى استمرار الحديث عن نقل نقطة الرعي إلى موقع آخر داخل نفوذ البلدة.
أما صاحب الأرض سعيد كبت، فقال لـTRT عربي، إن المجموعة التي أقامت الموقع جاءت من جنوب الخليل مصطحبة معداتها، «من دون أن تصطحب معها أي رأس من الأغنام أو الماعز»، وهو ما أثار، بحسبه، شكوك الأهالي في أن الأمر يتجاوز إقامة مزرعة للرعي.
وأضاف كبت أن وصول سموتريتش إلى الموقع برفقة المجموعة رفع مستوى التوتر، وسط انتشار أمني مكثف، فيما جرى تجنّب حضور الأهالي إلى المنطقة منعاً للاحتكاك المباشر.
وأكد أن القضية لا تزال قيد المتابعة القانونية والميدانية بالتنسيق مع المجلس المحلي ومركز «عدالة»، لافتاً إلى أن الأراضي المعنية لا تخصه وحده، بل تشمل ملكيات لمواطنين آخرين. وحذر من أن محاولة العودة إلى الموقع قد تقابل بتحرك شعبي أوسع.
وتكشف قضية «الروس» التداخل بين النزاع على الأرض والتحرك الشعبي والقانوني والخطاب السياسي الإسرائيلي بشأن الجليل. كما تأتي بالتزامن مع اقتراب انتخابات الكنيست، لتعيد طرح النقاش داخل المجتمع العربي بشأن قدرته على تحويل ثقله الانتخابي إلى تأثير سياسي يحمي حقوقه ومصالحه.
وبذلك تحولت تلة صغيرة جنوبي مجد الكروم من خلاف على خيام ونشاط رعوي إلى نموذج مصغّر لصراع أوسع على الأرض والوجود والسياسات المتعلقة بمستقبل الجليل.






















