آسيا في مرمى تداعيات الحرب.. اضطراب الطاقة يهدّد "مصنع العالم"
سياسة
7 دقيقة قراءة
آسيا في مرمى تداعيات الحرب.. اضطراب الطاقة يهدّد "مصنع العالم"تتجه تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران نحو إلحاق الضرر الأكبر بالاقتصادات الآسيوية، في ظل اعتمادها المكثف على تدفقات الطاقة القادمة من منطقة الخليج وارتباطها العميق بسلاسل الإمداد العالمية.
اضطرت عدة دول آسيوية إلى اتخاذ إجراءات طارئة للحد من تداعيات أزمة الطاقة، فرفعت أسعار الوقود بشكل حاد / Reuters

وتأتي هذه التطورات في وقت تسري فيه هدنة مؤقتة بين واشنطن وطهران منذ 8 أبريل/نيسان الجاري، تمتد لأسبوعين، لكنها لا تبدد المخاوف من عودة التصعيد العسكري الذي بدأ في 28 فبراير/شباط الماضي.

وتشير تقديرات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تكلفة الحرب قد تصل إلى 299 مليار دولار من خسائر الإنتاج في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ما يعادل نحو 0.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، في مؤشر إلى حجم التأثير الاقتصادي العابر للحدود.

ومع تصاعد المواجهة، لجأت إيران إلى تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً، يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية، ما أدى إلى اضطراب إمدادات الطاقة ورفع أسعار النفط، وانعكس بدوره على موجات تضخمية في عدد من اقتصادات العالم.

وأمام هذا الواقع، اضطرت عدة دول آسيوية إلى اتخاذ إجراءات طارئة للحد من تداعيات أزمة الطاقة، فرفعت أسعار الوقود بشكل حاد، إذ سجلت الفلبين زيادة بنحو 300٪، وباكستان 50٪ ، وتايلاند 18٪. وفي المقابل، لجأت بنغلاديش إلى تقليص ساعات العمل لترشيد الاستهلاك، بينما عادت اليابان إلى استخدام الفحم لتعويض النقص في الإمدادات.

ورغم أن اتفاق الهدنة تضمّن بنداً يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز، فإن المفاوضات التي جرت في 12 أبريل/نيسان في إسلام آباد انتهت من دون تحقيق اختراق سياسي ينهي الحرب، وسط تبادل الاتهامات بين الجانبين.

وتبع ذلك مباشرة تصعيد أمريكي تمثل في فرض حصار شامل على المواني الإيرانية، بما فيها المطلة على مضيق هرمز، لترد طهران بإعادة فرض قيود على الملاحة في المضيق، ما يعزز احتمالات تفاقم الضغوط الاقتصادية، وخصوصاً على الدول الآسيوية الأكثر تعرضاً لاضطرابات الطاقة.

فاتورة الحرب

تكشف تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن تكلفة اقتصادية ثقيلة للحرب على إيران، إذ يُرجَّح أن تتكبد منطقة آسيا والمحيط الهادئ خسائر في الإنتاج تصل إلى 299 مليار دولار، بما يعادل نحو 0.8 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي، وفق تقرير صدر منتصف أبريل/نيسان.

ولا تقتصر التداعيات على المؤشرات الكلية، إذ يحذر التقرير من أن نحو 8.8 مليون شخص في المنطقة مهددون بالانزلاق إلى دائرة الفقر نتيجة هذه التطورات، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب تنعكس على الاقتصادات والأسر، رغم سريان وقف إطلاق نار مؤقت.

وفي تفسيره لحجم التأثر الآسيوي، يقول الخبير الاقتصادي أمين سامي، إن الأمر لا يرتبط فقط بالقرب الجغرافي من إيران، بل أيضاً بالارتباط الوظيفي الوثيق بمضيق هرمز وسلاسل الطاقة والبتروكيماويات وحركة الشحن.

ويشير إلى أن آسيا تتحمل الحصة الأكبر من الخسائر، نظراً لاعتماد نموذجها الصناعي والتجاري على تدفقات طاقة تمر عبر "عنق زجاجة" واحد يتمثل في مضيق هرمز.

وتبرز هذه الهشاشة بشكل أوضح إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الدول الآسيوية تُعد من أكبر مستوردي الطاقة عالمياً، ولا سيما النفط المنقول عبر المضيق، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، يتجه قرابة 90 بالمئة منها إلى الأسواق الآسيوية.

ويرى سامي أن أي تعطيل في هذا الممر الحيوي يشكل ضربة مباشرة لقلب الصناعة الآسيوية، نظراً لاعتمادها الكبير على استقرار تدفقات الطاقة.

النموذج الاقتصادي الآسيوي تحت الضغط

تُظهر تطورات الحرب على إيران هشاشة النموذج الاقتصادي السائد في آسيا، الذي يقوم بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة مقابل تصنيع كثيف وتصدير واسع النطاق. ويعني هذا الترابط أن أي اضطراب في أسواق الطاقة ينعكس مباشرة على مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، من الإنتاج إلى التجارة.

وفي هذا السياق، لا يقتصر أثر ارتفاع أسعار النفط والغاز على زيادة تكلفة الاستيراد، بل يمتد ليضغط على قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والنقل والصناعات البتروكيماوية والأسمدة والمعادن، وصولاً إلى سلاسل التوريد، قبل أن ينعكس في النهاية على معدلات النمو والتضخم.

ورغم تفاوت درجة اعتماد الدول الآسيوية على هذا النموذج، فإن اقتصادات كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند وبنغلاديش وباكستان والصين تتقاطع جميعها في مستوى انكشافها البنيوي أمام صدمات الطاقة.

وتعزز هذه الهشاشة أرقام صندوق النقد الدولي، التي تشير إلى أن آسيا تستهلك نحو 24 بالمئة من الغاز الطبيعي العالمي و38 بالمئة من النفط، بينما تمثل فاتورة الطاقة قرابة 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، أي ما يقارب ضعف النسبة المسجلة في أوروبا.

ومع محدودية الإنتاج المحلي، يبلغ صافي واردات آسيا من النفط والغاز نحو 2.5 بالمئة من ناتجها المحلي، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. وفي هذا الإطار، يحذر صندوق النقد الدولي من أن اضطرابات الإمدادات قد تؤدي إلى تغذية موجات التضخم وتقويض ميزان المدفوعات، رغم توقعه استمرار آسيا محركاً رئيساً للنمو العالمي.

وتشير تقديرات الصندوق إلى تباطؤ نمو الاقتصاد الآسيوي من 5 بالمئة في عام 2025 إلى 4.4 بالمئة في 2026 و4.2 بالمئة في 2027، بالتوازي مع ارتفاع متوقع في معدلات التضخم إلى 2.6 بالمئة في 2026، بزيادة مقدارها 0.4 نقطة مئوية مقارنة بتوقعات سابقة.

هوامش المناورة

في مواجهة هذه الضغوط، اتجهت الدول الآسيوية إلى تبني إجراءات متباينة لاحتواء صدمة الطاقة، مدفوعة بارتفاع اعتمادها على الواردات، وخصوصاً من الشرق الأوسط.

فقد رفعت كوريا الجنوبية اعتمادها على الفحم وأعادت تشغيل محطاتها النووية لتقليص فجوة الإمدادات، وهو المسار ذاته الذي سلكته اليابان. في المقابل، لجأت دول أخرى إلى إجراءات تقشفية مباشرة، إذ اعتمدت الفلبين وباكستان نظام العمل لأربعة أيام أسبوعياً، بينما فرضت ميانمار قيوداً على حركة المركبات لتقليل استهلاك الوقود.

ومع ذلك، يظل هامش التحرك محدوداً، إذ تختلف قدرة الدول على امتصاص الصدمة تبعاً لعوامل مثل حجم الاحتياطيات الاستراتيجية، وتنوع مصادر الطاقة، والمرونة اللوجستية، وتوازن المزيج الطاقي.

وفي هذا الإطار، راكمت الصين احتياطيات كبيرة من الطاقة، بينما فعّلت اليابان أدوات دعم وتمويل لتأمين الإمدادات، وسعت كوريا الجنوبية إلى تنويع مسارات الاستيراد بعيداً عن مضيق هرمز.

لكن هذه الإجراءات، وفق تقديرات اقتصادية، تخفف من حدة الأزمة من دون أن تلغي آثارها، وخصوصاً في حال استمرار الحرب أو تعطل الإمدادات فعلياً، وليس مالياً فقط.

الضغط على الصين

وعلى الرغم من أن الهدف المعلن للسياسات الأمريكية يتمثل في تقليص الموارد النفطية والمالية لإيران، فإن التداعيات الجيواقتصادية تمتد لتشمل الاقتصادات الآسيوية، وفي مقدمتها الصين، التي تُعد المنافس الأبرز للولايات المتحدة.

فقد لوّحت واشنطن بفرض عقوبات ثانوية على الجهات المتعاملة مع النفط الإيراني، مع الإشارة صراحة إلى الصين بوصفها أحد أبرز مستورديه بحراً، ما يعكس إدراكاً أمريكياً بأن الضغط على طهران يمر عملياً عبر مفاصل الطاقة والتمويل في آسيا.

ويرى مراقبون أن هذه المعطيات تجعل الصين تتحمل قسطاً كبيراً من التكلفة غير المباشرة للحرب، إلى جانب اقتصادات آسيوية أخرى، نتيجة اعتمادها على الطاقة المستوردة منخفضة التكلفة لدعم صناعتها التصديرية.

وفي هذا السياق، قال محمد أبو عليان، الباحث في الشؤون الاقتصادية، في حديث لـTRT عربي، إن الاقتصادات الآسيوية تُعد من أبرز المستوردين للنفط، ما يجعلها الأكثر تأثراً بأي اضطرابات في أسواق الطاقة، ولا سيما مع بدء السحب من احتياطياتها النفطية. وأوضح أن استمرار الأزمة لمدة شهر أو شهرين سيجعل الأوضاع أكثر صعوبة، نظراً لارتباط النشاط الاقتصادي بشكل وثيق بأسعار الطاقة.

وأشار أبو عليان إلى أن احتمالات تجدد الحرب في الشرق الأوسط، أو إغلاق مضيق هرمز، وما قد يرافق ذلك من تعطّل إمدادات النفط، تدفع الدول الآسيوية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها في استيراد الطاقة، مضيفاً أن هذه التطورات قد تؤثر أيضاً في النموذج الاقتصادي القائم على التصنيع من أجل التصدير، وخاصة في دول مثل الصين.

وأوضح أن الدول ستتجه إلى تنويع مصادر استيراد النفط والغاز من مناطق مختلفة، ولا سيما البعيدة عن مضيق هرمز، إلا أن هذا التوجه سيرفع تكاليف الطاقة. ولفت إلى أن الصين كانت تستفيد من استيراد النفط الإيراني بأسعار تنافسية نتيجة العقوبات المفروضة على طهران، ما يجعلها أكثر عرضة لتأثيرات أي اضطراب في الإمدادات.

وبيّن أن الصين استفادت جزئياً من الحرب في بعض القطاعات، وخصوصاً المرتبطة بالصناعات العسكرية، لكنها في المقابل تواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في اعتمادها الكبير على واردات النفط من منطقة الخليج. وأشار إلى أن بكين اتخذت إجراءات احترازية، من بينها تخزين النفط تحسباً لأي طارئ، ما ساهم في تقليل حدة الصدمة على اقتصادها حتى الآن.

وأضاف أن استمرار الحرب لفترة أطول سيؤدي إلى مضاعفة التأثيرات الاقتصادية، ليس على الصين فحسب، بل على مجمل الاقتصادات الآسيوية، وهو ما سينعكس بدوره بشكل سلبي على الاقتصاد العالمي، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه الصين بوصفها "مصنع العالم"، واعتماد العديد من الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، على منتجاتها.

وختم أبو عليان بالإشارة إلى أن الاقتصادات الكبرى نجحت حتى الآن في امتصاص الصدمة الأولية، إلا أن تجدّد الحرب أو استمرارها سيزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي.

وفي المحصلة، تكشف الحرب عن مفارقة لافتة في المشهد الآسيوي: قوة صناعية وتجارية متقدمة، يقابلها مستوى مرتفع من الهشاشة في ملف الطاقة وأمن الممرات البحرية، ما يجعل المنطقة عرضة لتقلبات الصراعات الجيوسياسية.

مصدر:TRT عربي - وكالات
اكتشف
إيران تستأنف العمل في مطارين بطهران وبروكسل توسع العقوبات لتشمل المسؤولين عن إغلاق "هرمز"
محادثات لبنانية-إسرائيلية الخميس في واشنطن ووزير يقلل من أثر خريطة إسرائيل البحرية
تأهب إسرائيلي وسط تمديد محتمل للاتفاق الأمريكي-الإيراني وروسيا تحذر من وضع هرمز
"لتحقيق 3 أهداف".. الرئيس اللبناني يعين السفير السابق لدى واشنطن رئيساً لوفد التفاوض مع إسرائيل
إيران: لا خطة حالياً لجولة مفاوضات ثانية.. ولن ننسى خيانات واشنطن للدبلوماسية
بلغاريا.. فوز كاسح لائتلاف الرئيس السابق راديف في الانتخابات العامة
بزشكيان: أمريكا تخون الدبلوماسية.. والحصار البحري انتهاك لاتفاق وقف النار
كوريا الشمالية تعلن إطلاق صواريخ بالستية قصيرة المدى بإشراف كيم
تراجع أسعار الذهب وسط ارتفاع الدولار مع تجدد التوتر بين واشنطن وطهران
إيران تتهم الولايات المتحدة بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد قريباً
بعد أيام من التضييق على المسيحيين في القدس.. الاحتلال يقر بتحطيم تمثال للمسيح جنوبي لبنان رغم الهدنة
أوكرانيا تقول إنها طلبت من تركيا تنظيم قمة تجمع زيلينسكي وبوتين
إيران تنفي التخطيط للمشاركة في محادثات جديدة مع واشنطن وترمب يؤكد جاهزية "إطار الاتفاق"
مشروع "صفر نفايات" برعاية أمينة أردوغان ينال جائزة "بطل العالم الأخضر"
"نسخة من مؤتمر ميونيخ للأمن".. مجلة ألمانية تشيد بمنتدى أنطاليا الدبلوماسي بتركيا