يشي حرص الشرطة الإسرائيلية على الاستنفار المكثف حول مقهى "باسميتا"، الواقع في حي "نحالوت" في القدس المحتلة أيام السبت، بعمق الاستقطاب الذي بات يعصف بالمجتمع الإسرائيلي. وتحاول الشرطة الإسرائيلية، دون نجاح كبير، منع وقوع اشتباكات بين أتباع التيارات الدينية اليهودية الذين يعترضون على إصرار مالك المقهى على فتحه أيام السبت، والعلمانيين الذين هبوا للدفاع عن حقه في فتح المقهى. وقد تحول هذا المقهى، الذي افتتح في مايو/أيار الماضي، إلى رمز للصراع على طابع العلاقة بين الدين والدولة، وأحد مظاهر الاستقطاب الذي يهدد النسيج المجتمعي في إسرائيل.
وقد بات الاستقطاب الداخلي يثير قلق الجمهور والنخبة الإسرائيلية على حد سواء، بوصفه خطرا جسيما على الأمن القومي. فقد أظهر استطلاع أجري لصالح "مؤتمر هرتسليا 2026" أن 97% من الإسرائيليين قلقون من الانقسام الداخلي، في حين تثير التهديدات الخارجية قلق 80-83% ممن استطلعت آراؤهم. وحسب استطلاع أجري في مارس الماضي لصالح "معهد أبحاث الشعب اليهودي"، فقد قال 52% من الإسرائيليين إنهم يتفقون مع بعضهم في معظم القضايا المهمة، في حين أقر 44% منهم بعكس ذلك.
وفيما يتعلق بمستوى التضامن الاجتماعي بين اليهود في إسرائيل، أبرز استطلاع أجري لصالح "معهد أبحاث الأمن القومي" التابع لجامعة تل أبيب، ونشرت نتائجه في مارس/آذار الماضي، أن 65% من الإسرائيليين يرون أن مستوى التضامن الاجتماعي بينهم منخفض.
وعبرت النخبة الإسرائيلية عن مخاوفها من انعكاسات الانقسام الداخلي على الحصانة القومية للدولة والمجتمع. فخلال كلمته أمام "مؤتمر هرتسليا 2026"، الذي عقد أواخر يونيو/حزيران الماضي، حذر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من مخاطر تفجر "حرب أهلية" بسبب طابع الانقسام الداخلي. وأضاف: "قد نصحو يوماً ونجد بلدنا قد تفكك، وأصبح مجرد حفنة من الجزر؛ جزر تضم أشخاصاً متعبين، منهكين، وجزراً من أولئك الذين يشعرون بأنهم أقليات مضطهدة".
أما جادي إيزنكوت، رئيس حزب "يشار" المعارض، والذي يقدم نفسه كمرشح لتشكيل الحكومة القادمة، فقد شدد على أن التماسك الداخلي متطلب رئيس للنجاح في مواجهة التهديدات الخارجية. وفي كلمته أمام "مؤتمر هرتسليا 2026"، قارن إيزنكوت بين إسرائيل و"الممالك اليهودية السابقة التي تفككت بفعل الانقسامات الداخلية".
وإلى جانب الصراع على طابع العلاقة بين الدين والدولة، فإن هناك عددا من القضايا الخلافية التي تؤجج الصدع الداخلي في إسرائيل، على رأسها: الانقسام حول توزيع عبء الخدمة العسكرية، والخلاف حول الإصلاحات القضائية، والتباين حول مسألة تشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر. وقد أثرت مواطن الاستقطاب المجتمعي على مستوى ثقة الجمهور الإسرائيلي بمؤسسات الدولة.
الصراع على طابع العلاقة بين الدين والدولة
يبدو واضحاً أن شعور التيارات الدينية اليهودية بالثقة بات يحفز مناشطها التي تفضي إلى تأجيج الاستقطاب مع العلمانيين. فمنذ الانتخابات الأخيرة التي قادت إلى تشكل حكومة بنيامين نتنياهو، التي تحظى فيها الحركات الدينية بتأثير حاسم في عملية صنع القرار، اتجهت المنظمات الدينية المتشددة إلى تحدي العلمانيين في معاقلهم الرئيسة.
فقد عمدت جمعيات دينية تطلق على نفسها "الأنوية التوراتية" إلى تدشين كنس ومؤسسات تعليمية دينية تابعة لتيار الصهيونية الدينية في قلب المدن العلمانية، ولا سيما تل أبيب وحيفا وبئر السبع وأسدود. وقد نظم العلمانيون في منطقة شمال تل أبيب احتجاجات ضد سعي "الأنوية التوراتية" إلى تحدي قيم "العلمانية" في المنطقة، من خلال تكريس الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية ودور العبادة.
وفي مقال نشره موقع "تايم آوت"، حذرت المؤرخة العلمانية يعرا أللوف من أن القائمين على "الأنوية التوراتية" يحاولون إثارة الفوضى في معاقل العلمانية، بهدف التمهيد "لتدشين دولة تقوم على تعاليم التوراة".
وقد اتجهت الأحزاب الدينية المشاركة في الحكومة إلى توظيف ثقلها في فرض القيم الدينية على المؤسسات الأكاديمية التي تتماهى تاريخيا مع العلمانية. وتحت تأثير الأحزاب المشاركة في الحكومة، أقرت الكنيست قانونا يلزم المؤسسات الأكاديمية بالفصل بين الجنسين في البرامج التعليمية التي يلتحق بها المتدينون.
ومما أثار حنق قطاعات واسعة من العلمانيين في إسرائيل حقيقة أنه، بعيد تشكيل الحكومة الحالية، جرى الإعلان عن تدشين ما يعرف بـ"سلطة الهوية اليهودية"، الهادفة إلى "تديين الفضاء العام".
وقد بات العلمانيون يشعرون بقدر غير قليل من اليأس بسبب حقيقة أن التحولات الديموغرافية تلعب لصالح التيارات الدينية، وتحديدا التيار الحريدي. فحسب تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن معدل ولادات المرأة الحريدية يبلغ 6.2 ولادة. وحسب صحيفة "هآرتس"، فإن معدل زيادة الحريديم في السنة يبلغ 4%، في حين تبلغ زيادة السكان بشكل عام 1.9% فقط سنويا.
عدم المساواة في تحمل عبء الخدمة العسكرية
على الرغم من أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة دأبت على إعفاء قطاع من الشباب الذين ينتمون إلى التيار الديني الحريدي من الخدمة العسكرية، تحت مسوغ التفرغ للتعليم الديني، فإن الأحزاب الحريدية استغلت ثقلها في الحكومات المتعاقبة ونجحت في جعل الإعفاء من الخدمة العسكرية هو الأصل في التعاطي مع الشباب الحريدي.
ولم يعد العلمانيون قادرين على التعايش مع هذا الواقع بعد أحداث السابع من أكتوبر، بسبب تعاظم أعباء الخدمة العسكرية على كاهلهم. وقد برزت حركات احتجاجية علمانية ضد إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، على رأسها حركة "إخوة السلاح"، التي باتت تنظم مناشط احتجاجية ضد هذا الواقع.
وتوجه الحركات الاحتجاجية العلمانية جل غضبها إلى حكومة نتنياهو، التي تصر، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، على تبني نهج "الحروب الدائمة"، وما يرافقه من تعاظم الأعباء التي يتحملها ضباط وجنود الاحتياط، وفي الوقت ذاته تسمح بإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
ومما زاد الأمور تعقيداً في نظر العلمانيين، حقيقة أن حكومة نتنياهو لا تكتفي بإعفاء الحريديم، بل لا تتردد أيضاً في تخصيص موازنات ضخمة لمؤسساتهم الدينية والتعليمية والاجتماعية، فضلاً عن مواصلة منحهم مخصصات ضمان اجتماعي كبيرة شجعتهم على عدم الإسهام في سوق العمل. وهناك يرى في هذا الواقع خطراً وجودياً على إسرائيل كدولة، إذ أنه يقلص على المدى الطويل من قدرتها على الدفاع عن نفسها. وقد حذر رئيس أركان الجيش إيال زامير الحكومة من إمكانية "أن ينهار الجيش على نفسه" بفعل زيادة الأعباء على قوات الاحتياط، في الوقت الذي يتم فيه إعفاء قطاعات اجتماعية من الخدمة العسكرية.
وفي محاولة لقطع الطريق على أية محاولة لفرض الخدمة العسكرية على الشباب الحريدي، هدد رئيس حركة "شاس" ووزير الداخلية السابق، الحاخام آرييه درعي، بأن الحريديم لن يترددوا في إعلان "العصيان الضريبي والامتناع عن التعاون مع مؤسسات الدولة" في حال فرضت عليهم الخدمة العسكرية.
معضلة "الإصلاحات القضائية"
ويثير إصرار الحكومة الإسرائيلية على تطبيق برنامج ما تسميه "الإصلاحات القضائية"، الهادف بشكل أساس إلى مس مكانة الجهاز القضائي، وتحديداً المحكمة العليا، معارضة واسعة لدى التيار الليبرالي، وضمنه جمهور واسع من مؤيدي اليمين العلماني. ويحاجج مناصرو الحكومة بأن ممثلي الجمهور المنتخبين في البرلمان والحكومة هم الذين يتوجب أن يتخذوا القرارات المتعلقة بتسيير أمور الدولة وخياراتها المختلفة، وليس الجهاز القضائي. وفي المقابل، ترى النخبة العلمانية "الليبرالية" أن "الإصلاحات القضائية" تهدف إلى "تفكيك النظام الديموقراطي"، كما كتب الكاتب آف بار إيلي في مقال نشرته صحيفة "كلكليست".
الخلاف حول التحقيق في أحداث السابع من أكتوبر
على الرغم من أن استطلاعات الرأي العام تبرز دعم الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تشكيل لجنة تحقيق رسمية غير حكومية في أحداث السابع من أكتوبر، تصر حكومة نتنياهو، في المقابل، على تشكيل لجنة حكومية لأداء هذه المهمة.
وقد صعد عديد من حركات الاحتجاج الجماهيري التي تطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، على رأسها: "مجلس أكتوبر" و"عائلات الضحايا والأسر الثكلى". ويرى ممثلو هذه الحركات أن الحكومة تحاول، من خلال رفضها تشكيل لجنة تحقيق رسمية غير حكومية، التستر على دور السياسات التي تبنتها في وقوع هذه الأحداث.
وقد أثرت مظاهر الاستقطاب المجتمعي والانقسام الداخلي على مستوى ثقة الجمهور الإسرائيلي بمؤسسات الدولة. فقد أظهر استطلاع للرأي العام أجري لصالح "معهد أبحاث الأمن القومي" في مارس الماضي، أن 30% من الجمهور الإسرائيلي فقط يثق بالحكومة ومؤسساتها.
كما قادت مظاهر انعدام الثقة بمؤسسات الدولة إلى حركة هجرة عكسية نشطة، قد تؤثر لاحقاً على الميزان الديموغرافي بين اليهود والفلسطينيين. فحسب دراسة أجرتها جامعة تل أبيب ونشرت مطلع أغسطس الجاري، فقد غادر إسرائيل خلال الأعوام 2023 و2024 و2025 نحو 268,930 شخصاً، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 47% على عدد المغادرين في الأعوام الثلاثة التي سبقتها.
وحسب دراسة أخرى أجرتها الباحثة ليلاك ليف آرييه، فقد كان الاستقطاب الداخلي، والشعور بعدم استقرار النظام السياسي، وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة، والوضع الأمني بعد السابع من أكتوبر، أهم الأسباب وراء تعاظم ظاهرة الهجرة العكسية.
وهذا ما يجعل مكونات مهمة من النخبة السياسية وقطاعات واسعة من المجتمع في إسرائيل ترى في الاستقطاب الداخلي خطراً كبيراً وجاداً على الأمن القومي.
















