الأكاديمية التابعة لجهاز الاستخبارات التركي، نشرت الأربعاء تقريرها بعنوان "الحرب بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران من منظور عسكري وجيوسياسي وتأثيرها في تركيا".
وأشار التقرير إلى أن الحرب المتواصلة منذ 28 منذ فبراير/شباط الماضي، خلفت نتائج متعددة الأبعاد من حيث مفاهيم الحرب الحديثة، والتوازنات الأمنية الإقليمية، والأولويات الاستراتيجية لتركيا.
ونقل التقرير عن رئيس الأكاديمية طلحة كوسا، قوله إن الحرب الأخيرة، ولا سيما مع دخول الولايات المتحدة مباشرة على الخط، أبرزت بوضوح التحولات في العقائد العسكرية، والتقنيات الحديثة، والعمليات الاستخبارية، وأمن الطاقة، والمرونة الاجتماعية، واستراتيجيات الاتصال.
وحسب التقرير أيضاً، فإن البنية التحتية الحيوية، ومنشآت الطاقة، وشبكات الرادار، وأنظمة الاتصالات، ومراكز اللوجستيات أصبحت أهدافاً رئيسية، في مؤشر إلى أن الحرب الحديثة لا تقتصر على العناصر العسكرية، بل تشمل البنية التحتية التي تدعم القدرات القتالية.
وأشار إلى أن التوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر وشرق المتوسط حولت أمن إمدادات الطاقة وطرق التجارة إلى ساحات تنافس استراتيجي واشتباك مباشر.
وذكر أن حماية البنية التحتية للطاقة وخطوط التجارة البحرية أصبحت أحد العناصر الأساسية في هندسة الأمن الإقليمي، في حين لم تعد مشاريع الربط مثل "طريق التنمية" و"الممر الأوسط" في مرحلة ما بعد الحرب اقتصادية فحسب، بل جيوسياسية وأمنية استراتيجية أيضاً.
ولفت إلى أن الحرب أدت إلى تآكل كبير في البنية الأمنية القائمة في الشرق الأوسط، والتي كانت تعتمد لمدة طويلة على الفاعلين بالوكالة والتوازنات الهشة والضمانات الأمنية الخارجية، لافتاً إلى أن الأزمات متعددة الطبقات التي أثرت في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج وشرق المتوسط في الوقت نفسه تشير إلى إعادة تشكيل مفهوم الأمن الإقليمي.
وفي سياق متصل، لفت التقرير الاستخباري التركي إلى أن إسرائيل رأت في تراجع إيران "فرصة استراتيجية"، وأن توجهها لتوسيع نطاق عملياتها، بخاصة في سوريا ولبنان وشرق المتوسط، جعل البنية الأمنية الإقليمية أكثر هشاشة.
وذكر أن سعي إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها، زاد من احتمالات "التنافس الاستراتيجي" بينها وبين تركيا.
وعلى صعيد تركيا، أكد التقرير أن الحرب الإيرانية أظهرت لأنقرة الحاجة إلى مقاربة دفاعية جديدة تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، والسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، وأمن البنية التحتية الاستراتيجية، واستدامة الذخائر، وقدرات الحرب الإدراكية، وهياكل القيادة والسيطرة الموزعة.
كما أشار إلى أن صناعة الدفاع لم تعد تقتصر على إنتاج التكنولوجيا المتقدمة، بل أصبحت تشمل القدرة على الإنتاج الكمي، واستدامة الذخائر، ومخزون الإمدادات، وأمن سلاسل التوريد، واصفاً هذا النهج بـ"العمق ثلاثي الأبعاد".
سياسياً، أفاد التقرير بأن القدرات الدبلوماسية متعددة الأبعاد لتركيا وفرت لها "ميزة استراتيجية مهمة" خلال مسار الحرب الإيرانية.
وشدد على أن إمكانية حفاظ أنقرة على قنوات اتصال في الوقت نفسه مع إيران، ودول الخليج، وباكستان، وأوروبا، والولايات المتحدة، تظهر قدرتها على أداء "دور متوازن وميسر في هندسة الأمن الإقليمي الجديد".
وفي الوقت ذاته، حذر التقرير من تصاعد أنشطة "الدعاية المعادية" لتركيا خلال فترة الحرب الإيرانية، مؤكداً أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة حملات التضليل والتلاعب الإعلامي.
وخلص إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تعد مؤشراً على دخول النظام الأمني الدولي مرحلة جديدة تتسم بتفكك البنية القائمة وتحول جذري في طبيعة الحروب.
وأوضح أن مفهوم القوة لم يعد يعرّف فقط بالقدرات العسكرية، بل أيضاً بقدرات الإنتاج التكنولوجي، والهيمنة على البيانات، والصمود المجتمعي، والاستدامة، والقدرة على التكيف الاستراتيجي.
كما أكد أن تركيا، بفضل موقعها الجيوسياسي، وبنيتها في الصناعات الدفاعية، وخبرتها العملياتية، ومرونتها الدبلوماسية، أصبحت في المرحلة الجديدة أحد الفاعلين "الموفرين للأمن والاستقرار".
وأشار إلى أن القضية الأساسية لتركيا تتمثل في قراءة هذا التحول التاريخي ليس من منظور الأزمات والتهديدات فحسب، بل أيضاً باعتبارها فرصة استراتيجية طويلة الأمد لتوسيع نطاق قوتها.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن تحقيق ذلك يعتمد على ترسيخ نهج أمني متعدد الطبقات، وتطوير القدرات الحالية ضمن إطار رؤية استراتيجية متكاملة ومستدامة.
























