بعد أسابيع من الشدّ والجذب، استسلمت فرنسا لضغط المجلس العسكري في النيجر والتظاهرات الشعبية الحاشدة المناصرة له، وأعلنت سحب بعثتها الديبلوماسية وقواتها العسكرية من أراضي البلد الإفريقي. في انتكاسة هي الثالثة التي تتلقاها باريس، بعد أن طُردت قبل ذلك من مالي وبوركينا فاسو.
وأتى إعلان هذا القرار على لسان الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي قال في لقاء تلفزيوني يوم الأحد، إن السفير الفرنسي في النيجر سيعود إلى باريس "في الساعات المقبلة"، كما "وضعنا حداً لتعاوننا العسكري مع سلطات الأمر الواقع في النيجر، لأنها لم تعد ترغب في محاربة الإرهاب".
غير أن لهذا القرار ما وراءه، إذ يعد الساحل الإفريقي غاية في الأهمية الاستراتيجية لفرنسا، وبالتالي يرى الكثيرون أن الجلاء النهائي للمستعمر القديم عن المنطقة غير وارد في هذه الأثناء. وهو ما يطرح أسئلة عدة حول ماهية السيناريوهات المتبقية لباريس لاستمرار وجودها هناك.
انسحاب إلى تشاد؟
بعد الخروج من النيجر، لم يبقَ لفرنسا من حلفاء في الساحل الإفريقي سوى تشاد، وهي البلاد التي يرجح محللون أنها ستكون المحطة القادمة للقوات الفرنسية المطرودة.
وهو ما يؤكده الأكاديمي والمحلل السياسي روماريك بادوسي، بقوله: "بعد أن أُرغمت فرنسا على مغادرة مالي وبوركينا فاسو، وأصبح استمرار وجودها في النيجر مستحيلاً، لم يبقَ أمامها سوى بلدين اثنين في تحالف G5 (موريتانيا وتشاد)، اللذين إلى الآن لم يعبرا (على مستوى السلطات الحاكمة) عن عداء تجاه باريس".
ويضيف المحلل البنيني، في تصريحاته لـTRT عربي، بأن "فرنسا تحظى بعلاقات استراتيجية متقدمة جداً مع تشاد، ولها قاعدة عسكرية هناك (...) وبالتالي بعد خروجها من النيجر، من المحتمل جداً أن تعيد باريس تموقع قواتها في تشاد"، لكن من أجل نجاح هذا السيناريو عليها "أن تقوم بإجراءات احترازية كي لا تثير أي شعور معادٍ لها في نجامينا".
وبحسب بادوسي: "يجب أن تتجنب فرنسا إحداث أي توتر مع السلطات التشادية، كما عليها في الوقت نفسه أن تظهر للشعب التشادي بأنها ليست هناك لتحمي تلك السلطات التي يعارضها قطاع من ذلك الشعب، ويعارض تداولها للحكم بشكل ميراثي منذ عهد الرئيس إدريس ديبي".
أما فيما يتعلق بموريتانيا، فيورد المحلل، بأنه "على فرنسا أن تحدّد إطاراً للتعاون العسكري مع سلطات البلاد، وربما الاستلهام من التجربة الكبيرة للجيش الموريتاني في مكافحة الجماعات الجهادية المسلحة (...) نظراً لأن موريتانيا تعدّ نموذجاً ناجحاً في محاربة هذه الظاهرة".
وفي هذا السياق، اعتبر تقرير أخير لصحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية، بأن نجامينا أصبحت الحليف الأخير لفرنسا في الساحل. وعدّد التقرير المكاسب الفرنسية في البلد الإفريقي، نظراً لموقعه الاستراتيجي وسط القارة "ما يجعله منصة مثالية لمراقبة التحركات العسكرية في جنوب ليبيا المضطرب، أو في جمهورية إفريقيا الوسطى".
مصير تدخل "إيكواس" العسكري
وفي سيناريو ثانٍ، يمكن أن تعتمد فرنسا على مساعي المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا من أجل الضغط على الحكومات الانقلابية في دول الساحل وإعادة المدنيين إلى السلطة. ذلك سواء عبر السبل الديبلوماسية أم عبر تدخل عسكري بقوات مشتركة، كما سبق وهدّدت بذلك المجموعة في النيجر.
وسبق أن أعربت الحكومة الفرنسية عن دعمها لجهود "إيكواس" لمواجهة السلطات العسكرية في النيجر، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية والتهديدات بالتدخل العسكري. وقالت وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، السبت 5 أغسطس/ آب الماضي، إن بلدها سيدعم "بحزم" جهود المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا من أجل إحباط الانقلاب العسكري في النيجر.
غير أن اتفاق الدفاع المشترك "ليبتاكو-غورما"، الذي وقعته كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في 16 سبتمبر/أيلول الجاري، يهدّد بإحباط أي دور ميداني يمكن لـ"إيكواس" أن تلعبه في المنطقة.
وبحسب المحلل السياسي روماريك بادوسي، فإن "أسئلة كثيرة بدأت تُطرح بشأن إمكانية القيام بهذا التدخل العسكري، على الرغم من أن قادة إيكواس ما زالوا يلوحون بهذا الخيار، ومعه يعربون عن استمرار تمسكهم بالحل الديبلوماسي". بينما تتعلق هذه الأسئلة "بما تسمح به القدرات العملياتية لدول المجموعة من أجل التدخل عسكرياً في النيجر".
وختم الأكاديمي البنيني حديثه بأنه "مع كل هذا يبقى التدخل العسكري أمراً صعباً لدول إيكواس، وخاصة بعد اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته الدول الثلاث (مالي والنيجر وبوركينا فاسو). وفي حال إقدام إيكواس على هذا الإجراء، سنشهد مواجهة بين قسمين من المجموعة نفسها، وهو ما سيؤثر في المنظمة بأكملها، وستخرج منه ضعيفة أو ربما منحلة".