في بيان مشترك لها يوم الأحد أعلنت قيادات المجالس العسكرية الحاكمة في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر انسحابهم الفوري من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
وتشترك الدول الثلاث المنسحبة في كونها تدار من قِبل المجالس العسكرية التي حكمت عقب سلسلة الانقلابات العسكرية التي ضربت الساحل منذ عام 2020، وهو ما أثار نزاعاً واسعاً بينها وبين المجموعة الاقتصادية التي اتخذت موقف الدفاع عن الأنظمة المخلوعة.
في المقابل، يثير هذا الانسحاب توقعات بآثار مدمرة تنعكس على مجموعة إيكواس، في وقت يستمر فيه التنافس الدولي حول المنطقة.
انسحاب ثلاث دول من إيكواس
وفي بيانها المشترك يوم الأحد أعلنت قيادات الدول الثلاث قرارها السيادي بـ"الانسحاب الفوري لبوركينا فاسو ومالي والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا"، راجعة ذلك إلى كون "هذه الكتلة ابتعدت عن قيم المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وآبائها المؤسسين والوحدة الإفريقية".
وأضاف البيان بأنه "علاوة على ذلك أصبحت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا تحت تأثير قوى أجنبية. لقد خانوا مبادئ الكتلة التأسيسية، هذا يشكل تهديداً للدول الأعضاء وسكانها الذين من المفترض أن تضمن الحكومات سعادتهم".
واتهم البيان المشترك إيكواس بالفشل في مساعدة تلك الدول الثلاث في مكافحة التهديدات "الوجودية" مثل تزايد مخاطر الجماعات الإرهابية المسلحة، وهو السبب المشترك الذي عللت به جيوش تلك الدول انقلاباتها ضد الأنظمة السابقة.
وأوضح البيان بأنه "عندما قررت هذه الدول أن تأخذ مصيرها بأيديها، تبنَّت إيكواس موقفاً غير عقلاني وغير مقبول في فرض عقوبات غير قانونية وغير مشروعة وغير إنسانية وغير مسؤولة، في انتهاك لنصوصها الخاصة (...) وهو ما أدى إلى مزيد من إضعاف السكان الذين عانوا بالفعل سنوات من العنف".
وفي تفاعلها مع هذه الأحداث ردّت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا بأنها مستعدّة للتفاوض مع الأطراف المنسحبة من أجل العدول عن موقفها.
وقالت إيكواس في بيان إنّ الدول الثلاث "أعضاء مهمون في المجموعة" التي "تبقى ملتزمة التوصل إلى حل تفاوضي للمأزق السياسي" الناتج عن إعلان انسحابها في بيان مشترك.
عقوبات قاسية وصراع أحلاف
وفي أعقاب سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر منذ عام 2020، لعبت مجموعة إيكواس دوراً معادياً لهذه الانقلابات وداعماً للأنظمة القديمة، بحجّة دفاعها عن الشرعية الدستورية وعودة مقاليد الحكم إلى أيدي المدنيين.
وفرضت المجموعة عقوبات قاسية على الدول الثلاث، أبرزها كان تعليق عضويتها في هياكل التكتل، كما فرضت حصاراً على كل من النيجر ومالي، وهو ما تسبب في ضرر كبير للقدرة الشرائية لشعبَي البلدين.
وتُعَدّ مالي دولة داخلية، وتتلقى كل وارداتها عبر سواحل جيرانها في إيكواس، خصوصاً من السينغال وساحل العاج، وهو ما تسبب في تدهور القدرة الشرائية للسكان، حسب تقارير صحفية. ووقفت إيكواس جميع المعاملات التجارية والمالية بين النيجر وجميع الدول الأعضاء، كما جمّدت أصول النيجر في البنوك المركزية للدول الأعضاء.
وعلاوة على هذه العقوبات كانت إيكواس قد هددت بالتدخل العسكري في النيجر من أجل إعادة النظام المخلوع إلى الحكم. وقبلها، في ديسمبر/كانون الأول 2022، كانت المجموعة قد أعلنت تشكيل قوة عسكرية مشتركة من أجل مكافحة موجة الانقلابات التي تجتاح عدداً من أعضائها.
وأتى هذا الإعلان عقب سلسلة الانقلابات في بوركينا فاسو ومالي وغينيا، وقرار باريس تغيير استراتيجيتها العسكرية في غرب إفريقيا، من التدخل عسكرياً إلى دعم القوات المحلية. وقرئ في إعلان إيكواس وقتها أنه جاء تلبية لهذه الاستراتيجية الفرنسية الجديدة.
ومقابل ذلك، في سبتمبر/أيلول 2023، وقّع قادة المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر على اتفاق للدفاع المشترك، أُطلق عليه اسم "اتفاق ليبتاكو-غورما". ورأى محللون هذه الخطوة ردّاً على القوات المشتركة للمجموعة الاقتصادية، وسبيلاً لمواجهة التحركات الفرنسية للإبقاء على مشروعها الاستعماري في المنطقة.
كيف ستتأثر مجموعة إيكواس بالقرار؟
في ظل هذا السياق يأتي انسحاب الدول الثلاث من المجموعة الاقتصادية، وحسب الأستاذ الباحث المختص في الشؤون الإفريقية إسماعيل محمد طاهر، فإنّ هذا الانسحاب "يُعَدّ خسارة كبيرة لإيكواس، وقد عزز تأكيد فرضية أن هذه المجموعة ليست قوية، لا على المستوى العسكري ولا على مستوى قدرتها على إنهاء الموجة الانقلابية".
وأضاف الأكاديمي التشادي في حديثه لـTRT عربي أن النيجر وبوركينا فاسو ومالي بقرارهم "يتحدَّون قرارات المجموعة وأعضائها المتشددين ضد الوضع السياسي الجديد في الدول الثلاث"، كما هو تأكيد "لمواجهتهم كل الضغوط وأنهم ماضون قُدماً في استقلاليتهم عن القوى الغربية المتمثلة في فرنسا".
وحسب محمد طاهر فإن انسحاب الدول التي تقدِّم نفسها باعتبارها مناوئة لاستمرار الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على دول إفريقيا قد "يحفز الشعوب في عدد من الدول الأعضاء الآخرين في المجموعة (...)، إذ تحظى هذه الدول الثلاث بتعاطف كبير من قِبل قطاع واسع في تلك الشعوب".
في المقابل، نفى الأكاديمي روماريك بادوسي قدرة هذا الانسحاب على أن يؤدي إلى تفكك إيكواس. وقال بادوسي في تصريحاته لـTRT عربي: "لا أعتقد أن هناك تهديداً بتفكك إيكواس بفعل انسحاب الدول الثلاث، لأن الدول المتبقية في المجموعة ليست لها أي اعتراضات على توجهاتها".
وأوضح الأكاديمي البنيني: "بطبيعة الحال لدينا غينيا التي تواجه نفس العقوبات المتمثلة في تعليق عضويتها في هياكل المجموعة، مثل الدولة التي أعلنت انسحابها، لكننا لا نراها تدخل في مواجهة مع قرارات التكتل الإقليمي".
وأضاف: "قبل الانقلاب في النيجر كان بين غينيا ومالي وبوركينا فاسو تقارب من أجل تأسيس وحدة فيدرالية بين الدول الثلاث، لكن على ما يبدو لم تثمر تلك المحادثات بتحقق المشروع".
وختم بادوسي تصريحاته بالقول: "بالتالي فخطر التفكك غير موجود في نظري، لأن الدول المتبقية واعية بالتحديات الاقتصادية والتنموية التي تواجهها، وأنه من الصعب مواجهة تلك التحديات دون التكتل في مجموعة إقليمية".