ويبلغ عدد المشاركين في العملية الانتخابية نحو مليون و40 ألف ناخب وناخبة، ما يعادل قرابة 67% من إجمالي المسجلين، في اقتراع يكتسب أهمية خاصة في دير البلح، التي تشهد انتخابات محلية لأول مرة منذ 22 عاماً.
ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من وحدة النظام الإداري الفلسطيني، رغم استمرار الانقسام الجغرافي والسياسي منذ عام 2007. كما أن اختيار المدينة يعود إلى كونها من أقل مناطق القطاع تضرراً نسبياً بفعل الحرب الإسرائيلية خلال العامين الماضيين.
وتُجرى الانتخابات عبر 1922 محطة اقتراع موزعة على 491 مركزاً، بإشراف أكثر من 10 آلاف موظف. وفي المقابل، حُسمت 197 هيئة محلية بالتزكية، في حين لم تُسجَّل أي قوائم أو مرشحين في 40 هيئة أخرى، ما يعكس تفاوتاً كبيراً في مستوى التنافس بين المناطق.
وكانت آخر انتخابات محلية في الضفة الغربية قد أُجريت عام 2021 على مرحلتين، فيما تقرر تأجيل إجرائها في قطاع غزة بقرار حكومي سابق "حتى توافر الظروف المناسبة"، في ظل استمرار الانقسام الداخلي.
وفي تقييمه لطبيعة هذه الانتخابات، يرى الخبير السياسي أحمد أبو الهيجاء أنها ذات طابع خدمي محدود التأثير سياسياً، في ظل غياب مشاركة حزبية واسعة، ما يحدّ من قدرتها على إحداث تحولات في المزاج العام.
ويشير إلى أن المشهد الانتخابي تهيمن عليه التحالفات العشائرية، مع حضور محدود لقوائم مرتبطة بحركة "فتح"، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى تنافس سياسي قادر على إحداث تغيير ملموس. ويضيف أن هذه الانتخابات تمثل استحقاقاً إجرائياً يهدف إلى ضمان استمرارية عمل الهيئات المحلية، محذراً من أنها قد تعزز النفوذ العشائري على حساب العمل المدني المنظم.
من جهته، يشير مدير مركز "يبوس" للدراسات سليمان بشارات إلى أن الانتخابات تُجرى في سياق داخلي وخارجي معقد، في ظل تأثيرات مباشرة للاحتلال الإسرائيلي.
ويوضح أن دور الفصائل السياسية يشهد تراجعاً ملحوظاً مقابل صعود الاعتبارات العائلية والكفاءة الفردية، ما يعكس تحولاً في معايير الاختيار الانتخابي بات يركّز على الأداء الخدمي بدلاً من البرامج السياسية والانتماءات الحزبية.
كما يلفت إلى أن ممارسات الاحتلال، من توسع استيطاني وقيود اقتصادية، إلى جانب اعتقال بعض المرشحين والضغط على آخرين، تؤثر بشكل مباشر في العملية الانتخابية، ضمن سياق أوسع يستهدف إضعاف البنية المؤسسية الفلسطينية.
بدوره، يضع مدير مركز القدس للدراسات أحمد رفيق عوض هذه الانتخابات ضمن مسار إصلاحي تدريجي ينطلق من المستوى المحلي، باعتبارها استحقاقاً شعبياً يتقاطع مع متطلبات دولية تتعلق بتعزيز الشفافية وتجديد الشرعيات.
ويرى أن غياب عدد من الفصائل والقوى السياسية، سواء بدافع التحفظ السياسي أو خشية النتائج، أتاح المجال أمام العشائر لتصدر المشهد الانتخابي، ما يعيد إنتاج أنماط تقليدية في التمثيل السياسي على حساب التعددية الحزبية.
وفي دلالة لافتة، يشير عوض إلى أن إجراء الانتخابات في دير البلح يعكس استمرار فكرة وحدة النظام السياسي الفلسطيني رغم الانقسام، ويعزز حضور المشروع الوطني، ولو ضمن حدوده الإدارية والخدمية، في مواجهة التحديات القائمة.
دير البلح
تستعد مدينة دير البلح في قطاع غزة لتنظيم الانتخابات المحلية ضمن ظروف ميدانية معقدة، في ظل الأضرار الواسعة التي خلّفتها الحرب، ما فرض ترتيبات لوجستية وأمنية غير تقليدية لضمان سير العملية.
وقال المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة، جميل الخالدي، إن اللجنة استكملت جاهزيتها لاستقبال الناخبين يوم السبت، موضحاً أن عملية الاقتراع ستُنفذ عبر 12 مركزاً تضم 100 محطة انتخابية موزعة جغرافياً داخل المدينة، بما يسهّل وصول المواطنين إلى صناديق الاقتراع.
ويعود اختيار دير البلح لإجراء الانتخابات إلى كونها الأقل تضرراً نسبياً مقارنة ببقية مناطق القطاع، رغم ما لحق بها من أضرار نتيجة الحرب الإسرائيلية.
وأوضح الخالدي أن بطاقة الاقتراع ستتضمن أربع قوائم انتخابية متنافسة، إذ يختار الناخب قائمة واحدة، مع إمكانية منح أصوات تفضيلية لخمسة مرشحين كحد أقصى ضمن القائمة ذاتها.
وفي ما يتعلق بالتحديات، أشار إلى أن اللجنة واجهت نقصاً حاداً في المباني الصالحة لاستخدامها كمراكز اقتراع، ما دفعها إلى اعتماد تسعة مواقع من أصل 12 كمواقع مفتوحة جرى تجهيزها بخيام بديلة، وفّرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضمن دعم لوجستي للعملية الانتخابية.
وعلى الصعيد الأمني، أكد الخالدي أن الشرطة الفلسطينية في دير البلح ستتولى المسؤولية الكاملة عن تأمين الانتخابات، بما يشمل حماية مراكز الاقتراع وضمان نقل صناديق الاقتراع من مخازن اللجنة إلى المراكز وإعادتها بعد انتهاء التصويت، فيما يقتصر دور الجهات الأخرى على الجوانب اللوجستية.
وشدد على أهمية سير العملية الانتخابية دون الحاجة إلى تدخل أمني مباشر، بما يضمن سلامة المواطنين وانتظام عملية التصويت.
وفي إطار التحضيرات، نفذت اللجنة حملة توعية شملت وسائل إعلامية وميدانية، تضمنت توزيع مواد تثقيفية وتسيير فرق ميدانية لشرح آلية الاقتراع للناخبين، إلى جانب استخدام مركبات "إذاعة تجوال" خلال يوم الصمت الانتخابي لدعوة المواطنين إلى المشاركة.
وأكد الخالدي أن جميع الترتيبات أُنجزت وفق الخطة الموضوعة، مُعرباً عن أمله في أن تمثل هذه الانتخابات خطوة نحو إعادة تنشيط الحياة الديمقراطية المحلية في قطاع غزة.











