آراء
تركيا
5 دقيقة قراءة
مع اتساع الحرب في المنطقة.. ما حسابات أنقرة؟ وكيف تدير ملفاتها الدبلوماسية؟
مع استمرار الصراع الذي اندلع في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتحوله سريعاً إلى مواجهة ذات طابع إقليمي، يتضح بعد شهر كامل من العمليات أن الضربات العسكرية لم تفلح في إحداث تغيير في بنية النظام داخل إيران.
مع اتساع الحرب في المنطقة.. ما حسابات أنقرة؟ وكيف تدير ملفاتها الدبلوماسية؟
تُعدّ تركيا من أكثر الدول تأثراً باستمرار هذه الحرب وتداعياتها / AA
منذ 4 ساعات

تُعَدّ تركيا من أكثر الدول تأثراً باستمرار هذه الحرب وتداعياتها. فإلى جانب كونها دولة مجاورة لإيران، فإن موقعها الجغرافي ودورها الفاعل في الإقليم يجعلانها في قلب هذا التصعيد منذ لحظاته الأولى. ولا تنحصر دوافع هذا الاهتمام في البعد الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل اعتبارات سياسية وإنسانية واقتصادية متشابكة.

كما تعد أنقرة من الدول القليلة التي أدانت في الوقت ذاته الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وكذلك الهجمات الإيرانية على الدول العربية. فقد دفعت تركيا أثماناً باهظة جراء الحروب والأزمات التي عصفت بالمنطقة في العقود الماضية، وهي، بوصفها دولة صناعية وتجارية وسياحية، تضع الاستقرار في صدارة أولوياتها، وتفضل الحفاظ على علاقات متوازنة مع جيرانها الذين تربطها بهم مصالح متبادلة.

ومن هذا المنطلق، تنظر إلى خطر انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة باعتباره تهديداً جدياً، ما يدفعها إلى إعطاء الأولوية لاحتواء التصعيد العسكري والبحث عن مسارات دبلوماسية قابلة للحياة.

وتبقى المسألة الأمنية الهاجس الأبرز لأنقرة. فقد حذرت من أن الحرب داخل إيران قد تفضي إلى حالة من الفوضى الداخلية والإقليمية، ورفضت على أعلى المستويات فكرة تغيير النظام من الخارج، كما نبهت إلى مخاطر تحول المواجهة إلى فوضى إقليمية واسعة النطاق. وعلى مدى سنوات، عملت تركيا على تحصين حدودها مع إيران عبر إنشاء جدار أمني واتخاذ تدابير إضافية للحد من الهجرة غير النظامية والأنشطة الإرهابية.

غير أن استمرار الحرب، أو ما قد يعقبها من فراغ وفوضى، قد يفتح الباب أمام صراعات إثنية ومذهبية، بما يضع تركيا أمام ضغوط متزايدة في ملفات الهجرة والإرهاب والتدخل الإنساني.

ومن بين المخاوف الأمنية الأخرى، احتمال إعادة إحياء تنظيم PKK الإرهابي عبر نقله إلى الساحة الإيرانية. ففي عام 2014، سلمت إدارة باراك أوباما شمال سوريا إلى الفرع السوري من التنظيم تحت ذريعة محاربة تنظيم داعش الإرهابي. واليوم، يُخشى أن يُعاد توظيف هذا التنظيم في سياق الصراع مع إيران، سواء لإسقاط النظام أو لملء الفراغ المحتمل بعده.

ورغم أن التنظيم لا يبدو مستعداً حالياً للانخراط في هذا السيناريو، خصوصاً بعد التجربة السورية ومسار "تركيا خالية من الإرهاب" في الداخل التركي، فإن استبعاد هذا الخطر نهائيّاً يبقى أمراً غير ممكن.

كما لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من إقناع قيادة إقليم شمال العراق، ولا سيما مجموعتي بارزاني وطالباني، بالانخراط في الحرب ضد إيران. إلا أن تصاعد الصراع، وما قد يرافقه من ضعف في السلطة المركزية الإيرانية أو اندلاع حرب أهلية، قد يفتح المجال أمام تنظيم PKK الإرهابي لاكتساب مساحات جديدة. وفي الوقت الذي تخلصت فيه تركيا من هذا التهديد على حدودها الجنوبية، فإنها لا ترغب في مواجهته مجدداً على حدودها الشرقية والجنوبية الشرقية.

كما أن استمرار الحرب داخل إيران، أو تفاقم أزماتها الاقتصادية والأمنية، قد يؤدي إلى موجات هجرة جماعية باتجاه تركيا. ومع استضافة البلاد بالفعل لملايين اللاجئين، فإن أي موجة جديدة قد تفرض أعباءً ثقيلة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن انعكاساتها السياسية.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل الروابط التاريخية والثقافية بين الشعبين التركي والإيراني، التي تجعل من الصعب إبقاء الحدود مغلقة لفترات طويلة، وهو ما يدفع أنقرة إلى التعامل بحذر بالغ مع هذا السيناريو.

ومن زاوية أخرى، تخشى تركيا من اختلال التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. إذ إن إضعاف إيران أو تفككها قد يفتح المجال أمام توسع النفوذ الإسرائيلي إقليمياً.

وفي ظل التهديدات المتكررة الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين ضد تركيا، والتنافس القائم بين البلدين، فإن أنقرة لا ترغب في رؤية إسرائيل تحقق مكاسب استراتيجية داخل إيران. كما أن أي تغيير في النظام في إيران قد ينقل ساحات التنافس القائمة في سوريا ولبنان إلى الداخل الإيراني، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، لا تخفي تركيا قلقها من تداعيات الحرب. فقد أدى استهداف منشآت النفط وإغلاق مضيق هرمز إلى إلحاق أضرار مباشرة باقتصادها بوصفها دولة مستوردة للطاقة. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يهدد بزيادة تكاليف المعيشة وتوسيع العجز في الحساب الجاري، في وقت بدأت فيه مؤشرات الاقتصاد التركي بالتعافي.

وإلى جانب ذلك، فإن اضطراب ممرات التجارة الدولية يضر بالتجارة البرية التركية عبر إيران نحو آسيا الوسطى، وكذلك عبر العراق نحو الخليج.

ولا يمكن لتركيا، في ضوء كل ذلك، أن تقف موقف المتفرج إزاء حرب تمسها وتمس الإقليم والعالم. فهي تدعو الطرفين إلى تجنب التصعيد، وتشجع على الحلول الدبلوماسية. وقد اضطلعت بدور الوسيط قبل اندلاع الحرب، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع كل من إيران والولايات المتحدة، كما دعمت جهود الوساطة التي تقودها دول مثل قطر وسلطنة عُمان.

وتملك الدبلوماسية التركية فهماً عميقاً لحساسيات الطرفين، وتدرك أن الفوضى الإقليمية ستضر بالجميع، وهو ما يفسر تمسكها بخيار الوساطة. وكما قال رئيس الاستخبارات إبراهيم قالن: "تركيا لا تحمل الحطب إلى نار الفتنة".

ومنذ بداية الأزمة، كثفت أنقرة تحركاتها الدبلوماسية على أعلى المستويات، حيث أجرى كل من رجب طيب أردوغان وهاكان فيدان اتصالات مكثفة مع قادة العالم. وقد دعا أردوغان، مع رفضه استهداف المدنيين، إلى توحيد المواقف لمنع توسع الحرب. وأسهمت هذه الجهود في دفع دول مثل باكستان والسعودية ومصر إلى تكثيف مساعي الوساطة، رغم أنها ليست أطرافاً مباشرة في النزاع.

وتواصل تركيا، بالتنسيق مع شركائها، دعم المفاوضات الأمريكية-الإيرانية التي تُدار بوساطة باكستان، سواء على المستوى الدبلوماسي أو التقني. وفي الوقت ذاته، تنظر بعين الريبة إلى الأهداف الكامنة وراء هذه الحرب، وتخشى من أن تؤدي الفوضى الناتجة عنها، ولا سيما النزعة التوسعية الإسرائيلية، إلى إلحاق أضرار واسعة بالمنطقة.

ومن هذا المنطلق، تعمل على تعزيز تعاونها مع الدول التي تشاركها هذه المخاوف، في إطار توجه إقليمي جديد يتبلور تدريجياً نحو بناء محور للاستقرار والسلام يضم تركيا والسعودية وباكستان ومصر وقطر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
رداً على إقرار قانون إعدام الأسرى.. "القسام" تدعو إلى أسر جنود إسرائيليين في لبنان
تركيا تدين استهداف "يونيفيل" في لبنان وتطالب بالمحاسبة
مشروع قانون في البرلمان الإيراني لفرض رسوم بالعملة الوطنية على عبور مضيق هرمز
إطلاق خامس قمر صناعي تجريبي لشركة "فرغاني" التركية بنجاح ضمن جهود تعزيز الاستقلال الفضائي
نائب رئيس فلسطين يلتقي فيدان في تركيا الثلاثاء لتعزيز جهود حل الدولتين
غارات جوية تستهدف مواقع للحشد الشعبي في وسط وغرب العراق
أسعار النفط تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات جراء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
جيش الاحتلال يعلن مقتل أربعة من جنوده في جنوب لبنان.. وصافرات الإنذار تدوي شمال إسرائيل
زيلينسكي: شراكات دفاعية مع دول خليجية واتفاقيات "تاريخية"
اجتماع طارئ لمجلس الأمن بطلب فرنسي إثر مقتل عناصر من اليونيفيل
تركيا ودول عربية وإسلامية تطالب بوقف قيود إسرائيل على المقدسات
إدانات فلسطينية وعربية لقانون إعدام الأسرى الإسرائيلي ودعوات لتحرك دولي
"أسيلسان" التركية تطلق القمر الصناعي "لونا-2" لخدمات إنترنت الأشياء
الكنيست الإسرائيلي يقر قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. و"عدالة" يلجأ للمحكمة العليا
قادة السعودية وقطر والأردن يحذرون من مخاطر هجمات إيران على استقرار المنطقة