ويكتسب الرصيف الرابع أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه ومساحته وساحات التخزين التابعة له، إضافة إلى قدرته على استقبال سفن كبيرة وزيادة الطاقة التشغيلية للمرفأ. غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن الاستفادة الكاملة منه لن تتحقق بمجرد وضعه تحت الإدارة السورية، بل تحتاج إلى تطوير شامل للبنية التحتية والحوكمة وشبكات النقل، وتحويل طرطوس من مرفأ يخدم السوق المحلية إلى جزء من ممر تجاري يصل البحر المتوسط بالعراق ودول الجوار والخليج.
مكسب سيادي ولوجستي
يرى الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات الدكتور حسن غرة أن عودة الرصيف التجاري الرابع في مرفأ طرطوس إلى الإدارة المدنية للدولة السورية، بموجب مذكرة التفاهم الموقعة مع الجانب الروسي، تمثل "مكسباً سيادياً ولوجستياً مهماً"، إلا أن تحولها إلى مكسب اقتصادي ملموس يبقى مرتبطاً ببيئة الاستثمار الإقليمية وحجم الحركة التجارية القادمة إلى سوريا.
ويقول غرة لـTRT عربي إن الخطوة تتيح للدولة السورية "استعادة السيطرة الكاملة على واجهة بحرية استراتيجية بطول 630 متراً، كانت مخصصة لعمليات لوجستية وعسكرية روسية"، مشيراً إلى أن الأثر الفوري يتمثل في إدخال الساحات التخزينية الملحقة بالرصيف مباشرة في خدمة التجارة المدنية الوطنية.
ومن الناحية الفنية، يوضح غرة أن القدرة الاستيعابية الإجمالية للمرفأ سترتفع بشكل ملحوظ بفضل الغاطس العميق للرصيف، بما يسمح باستقبال سفن الجيل الجديد الضخمة.
لكنه يشدد على أن الزيادة النظرية في طاقة المرفأ لا تعني بالضرورة تحولاً سريعاً في نشاطه التجاري، موضحاً أن "تحويلها إلى رصيف تجاري ملموس يصطدم بواقع تراجع حركة الملاحة الإقليمية المتجهة إلى سوريا".
ويضيف أن مرفأ طرطوس "لا يعاني أصلاً من أزمة مساحة أرصفة بقدر ما يعاني من انخفاض كمية البضائع الواردة والصادرة نتيجة الحصار والعزلة الاقتصادية من عهد النظام البائد"، وبالتالي فإن الأثر سيبقى، وفق تقديره، "محصوراً في ترتيب البيت الداخلي اللوجستي ما لم تتغير الظروف السياسية المحيطة بالبلاد".
تقليص انتظار السفن
وعن الأثر المتوقع على حركة الملاحة، يوضح غرة أن إضافة الرصيف الرابع من شأنها أن تقلل مدة انتظار السفن، إذ يمكنه استقبال ثلاث بواخر ضخمة معاً، إلى جانب دعمه برافعتين حديثتين.
ويرى أن ذلك يسرع عمليات تفريغ البضائع الصب ويخفض غرامات التأخير التي يتحملها التاجر السوري.
لكن غرة يلفت إلى أن هذا التحسن يخفض فقط "التكلفة التشغيلية المحلية"، بينما تظل كلفة النقل البحري الكلية إلى سوريا مرتفعة نتيجة عوامل أخرى.
ويقول إن "علاوة المخاطر" ورفض بعض الخطوط البحرية الكبرى الرسو في المواني السورية يدفعان التجار إلى الاعتماد على سفن وسيطة أكثر كلفة، وهي مشكلة "لا يحلها تسريع العمل في المرفأ وحده".
إيرادات جديدة للخزينة
ويرى غرة أن إعادة تشغيل الرصيف الرابع يمكن أن تشكل رافداً جديداً للخزينة السورية، في وقت تتوقع فيه وزارة المالية نمواً اقتصادياً طموحاً لعام 2026 بنحو 11.3%.
ويوضح أن إيرادات الرصيف تتوزع بين ثلاثة محاور رئيسية، أولها رسوم الملاحة والرسو التي تُجبى بالعملة الأجنبية من السفن مقابل استخدام الرصيف والمرسى السوري، وثانيها أجور المناولة والتفريغ الناتجة عن تشغيل الرافعات الحديثة والكوادر المحلية، وثالثها بدلات التخزين اللوجستي مقابل إشغال الساحات والمستودعات المحيطة.
لكن تعظيم هذه الإيرادات، وفق غرة، "لا يتحقق بوجود رصيف معزول"، بل يتطلب ربطاً شبكياً عاجلاً بشبكة السكك الحديدية والنقل البري، وربط المرفأ بالمدن الصناعية مثل الشيخ نجار في حلب وعدرا في ريف دمشق.
كما يدعو إلى اعتماد "سياسة تعرفة مرنة تنافس موانئ شرق المتوسط"، وإجراء "أتمتة شاملة تقطع دابر البيروقراطية والفساد الإداري المترسخين منذ فترة نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، لتسريع التخليص الجمركي"، مشدداً على أن "الوقت في عالم الملاحة هو المال".
ويرى غرة أن العامل الحاسم يبقى تنشيط تجارة الترانزيت نحو العراق والخليج، وهي خطوة يمكن، وفق قوله، أن ترفع الإيرادات بصورة استثنائية، لكنها تظل "مرهونة بتفاهمات سياسية وإقليمية أوسع لا تزال في طور المخاض".
هل تنخفض كلفة الاستيراد؟
أما على صعيد انعكاس الخطوة على الأسعار، فيقول غرة إن تحسن كفاءة الرصيف الرابع يؤدي نظرياً إلى تقليل الكلفة اللوجستية للاستيراد، لكن الأثر العملي على المستهلك السوري سيكون محدوداً للغاية.
ويضيف أن المواطن "لن يلمس انخفاضاً حقيقياً في أسعار السلع الأساسية نتيجة هذا التطوير وحده"، لوجود مشكلات اقتصادية أوسع تتجاوز حدود المرفأ.
ويشير إلى أن التحديات التي تواجه قطاعات المال والشحن السورية تظل من أبرز العوائق، إذ تتسبب في مضاعفة تكاليف الشحن والتحويلات المالية عبر البنوك الوسيطة.
كما يلفت إلى أن شركات التأمين العالمية لا تزال تتعامل بحذر مع الموانئ السورية، بما يؤدي إلى ارتفاع بوالص التأمين على السفن والبضائع، وهو ما قد يمتص الوفورات التي تتحقق من سرعة التفريغ على الرصيف الرابع.
ويضيف غرة أن تذبذب سعر الصرف والتضخم يمثلان عاملين إضافيين، إذ يخضع تسعير السلع في الأسواق السورية لتقلبات سعر الصرف المحلية وأزمة السيولة وتكاليف تأمين الطاقة، من وقود وكهرباء، للإنتاج والنقل الداخلي، وهي تكاليف يرى أنها تفوق بأضعاف رسوم المواني.
ومع ذلك، يعتبر غرة أن عودة الرصيف الرابع "خطوة حيوية لترميم الهيكل اللوجستي المدني للدولة السورية وتأمين مدخلات الإنتاج الأساسية، كالقمح ومواد البناء، بكفاءة أفضل".
لكنه يصف أثرها الاقتصادي المباشر بأنها تعمل كـ"مسكن موضعي" في جسد اقتصاد عانى لسنوات من حصار هيكلي وأزمات نقدية خانقة، ما يجعل انعكاسها المباشر على جيب المستهلك السوري محدوداً في المدى المنظور.
ما الذي يحتاج إليه المرفأ؟
من جانبه، يقول الباحث الاقتصادي طلال إسعيد إن ضمان تشغيل الرصيف ومرفأ طرطوس بكفاءة وتنافسية يحتاج إلى تطوير متكامل يشمل المعدات والبنية التحتية والحوكمة والاستثمارات.
ويشرح إسعيد لـTRT عربي أن تطوير المرفأ يتطلب "تحديث ترسانة المعدات والتجهيزات المسؤولة عن مناولة البضائع وخدمة السفن وإدارة حركة الحاويات لرفع الطاقة الاستيعابية وكفاءة التشغيل".
ويضيف أن المرفأ يحتاج إلى رافعات رصيف عملاقة لرفع وتنزيل الحاويات من وإلى السفن الكبيرة، إضافة إلى الرافعات المتحركة اللازمة للتعامل مع رص الحاويات ونقلها في الساحات والمستودعات.
ومن المعدات الضرورية أيضاً، وفق إسعيد، معدات تجريف الحوض اللازمة لتثبيت السفن وتقديم الدعم اللوجستي داخل الحوض المائي.
وعلى صعيد البنية التحتية، يرى إسعيد أن المرفأ يحتاج إلى تعميق وتوسيع أحواض الموانئ وممرات الاقتراب، بما يسمح باستيعاب السفن العملاقة، ولا سيما البواخر الناقلة للنفط.
كما يؤكد ضرورة بناء وتأهيل الأرصفة وزيادة متانتها لتحمل الأوزان الثقيلة ومعدات التفريغ الحديثة.
ويضيف أن تطوير منظومة الحماية اللوجستية والأمنية يمثل جزءاً أساسياً من عملية التحديث، من خلال إنشاء كواسر الأمواج وحماية حوض المرفأ من العواصف والتيارات البحرية، إضافة إلى تزويده بشبكة من الكاميرات والحساسات لضمان حمايته.
الحوكمة والأتمتة
وفي مجال الحوكمة، يرى إسعيد أن المرفأ يحتاج إلى "إطار تشريعي وتنظيمي يحقق الشفافية والمساءلة"، عبر أتمتة العمليات الإدارية والتشغيلية، إلى جانب بناء قواعد بيانات متكاملة لرفع كفاءة الأداء وتعزيز الاستدامة.
كما يشدد على ضرورة تحديث القوانين والأنظمة الناظمة للعمل البحري وتوحيد الإجراءات والرسوم الخاصة بمرفأ طرطوس.
ويضيف أن عقود الاستثمار الخاصة بالمرفأ تحتاج إلى تنظيم ضمن أطر قانونية واضحة، إلى جانب رفع كفاءة الكوادر البشرية وتدريب القيادات الإدارية على معايير الحوكمة.
ويؤكد إسعيد أن عملية تطوير مرفأ طرطوس تحتاج كذلك إلى تحديث الأطر التنظيمية واعتماد نماذج تشغيل جديدة، مثل نظام البناء والتشغيل والتحويل، وتعزيز الكفاءة الإدارية والرقابية لزيادة الطاقة التشغيلية.
ويرى أن ذلك يمر عبر تحديث القوانين وإعادة هندسة العمليات الإدارية لتقليص البيروقراطية، ودمج أنظمة رقمية متطورة لإدارة الحاويات وحركة السفن، وأتمتة العمليات الجمركية والمالية لضمان الشفافية وتقليل زمن الانتظار.
بوابة إلى العراق والخليج؟
وفي ما يتعلق بإمكانية تحويل مرفأ طرطوس من مرفأ يخدم السوق المحلية إلى بوابة إقليمية للتجارة والترانزيت نحو العراق ودول الجوار، يرى إسعيد أن المرفأ يتمتع بإمكانات جغرافية ولوجستية مهمة، إذ يربط بين حوض البحر الأبيض المتوسط وأسواق الخليج العربي.
ويضيف أن دخول الرصيف رقم 4 وساحات التخزين التابعة له إلى الخدمة سيرفع من القدرة التشغيلية للمرفأ.
ويقول إسعيد إن "القيمة الاقتصادية للرصيف رقم 4 لا تكمن في المساحة أو عدد السفن التي يمكن أن يستقبلها، وإنما في إضافة نقطة تشغيل جديدة إلى منظومة المرفأ".
ويوضح أن هذه النقطة يمكن أن تستوعب حركة بضائع كانت ستتنافس على الأرصفة الأخرى، وبالتالي فإن تشغيل الرصيف يمكن أن يزيد الطاقة التشغيلية الفعلية للمرفأ.
ويضيف أن تشغيله سيوفر قدرة إضافية على استقبال السفن وتحميل البضائع ومناولتها.
وبحسب إسعيد، يتمتع المرفأ بمزايا من حيث الموقع والمواصفات والأهمية الاقتصادية، ما يؤهله لأن يكون بوابة إقليمية لإعادة التصدير.
ويربط إسعيد هذه الفرصة أيضاً بالتحولات الإقليمية والأزمات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، بما فيها أزمة مضيق هرمز وإشكالية نقل النفط والغاز من مراكز إنتاجها في الخليج العربي إلى الدول المستهلكة في الاتحاد الأوروبي.
ويرى أن سوريا يمكن أن تستفيد من قدرتها على تحقيق الاستقرار الأمني وتأمين الطرق البرية.
غير أنه يشدد على أن سوريا "تحتاج إلى منظومة ممر تجاري وليس مجرد ميناء"، وهو ما يعني، وفق قوله، تطوير الطرق الدولية وبناء منظومة من السكك الحديدية وربطها بدول المنطقة.
كما يتطلب ذلك تسهيل إجراءات العبور بين الدول الإقليمية، عبر اتفاقيات مع العراق وتركيا والأردن ودول الخليج العربي.
ويرى إسعيد أن رفع العقوبات والقيود الدولية فتح الباب أمام الاستثمار في المواني البحرية السورية، وفي مقدمتها ميناء طرطوس.
ويشير في هذا السياق إلى استثمار شركة موانئ دبي العالمية بقيمة 800 مليون دولار في المرفأ.
كما يرى أن الاتفاق الذي توصلت إليه الحكومة السورية مع روسيا، وما نتج عنه من استعادة إدارة المنشآت المدنية والاقتصادية في مرفأ طرطوس والبدء بتشغيلها تجارياً لاستقبال البواخر، يعزز السيادة الوطنية ويفتح المجال أمام تشجيع شركات الملاحة الدولية والخطوط البحرية الإقليمية على الاستثمار في المرفأ واستئناف رحلاتها إليه.
ويؤكد إسعيد أن الاستفادة الفعلية من رفع القيود الاقتصادية تتطلب بيئة تشغيلية وقانونية قادرة على استقطاب الشركات الدولية، وتقديم خدمات سريعة وشفافة ومنافسة من حيث الوقت والتكلفة.
الرصيف الرابع.. من الإدارة الروسية إلى دمشق
يرتبط الرصيف الرابع في مرفأ طرطوس بتاريخ الوجود الروسي على الساحل السوري، إذ تحول خلال سنوات الحرب إلى جزء من المساحة البحرية التي استخدمتها موسكو لخدمة وجودها العسكري واللوجستي في سوريا.
ومع توسع النفوذ الروسي في المرفأ خلال عهد النظام البائد، خرج الرصيف وساحاته المرتبطة به عملياً من الدورة التجارية المدنية المعتادة، وخُصصت أجزاء منه للعمليات المرتبطة بالقوات الروسية والإمداد البحري.
وتزامن ذلك مع توسع النفوذ الاقتصادي الروسي داخل مرفأ طرطوس، بعدما منحت حكومة النظام البائد شركات روسية عقوداً طويلة الأمد للاستثمار والإدارة والتطوير، ما جعل المرفأ أحد أبرز مواقع الحضور الروسي الاقتصادي والبحري في سوريا.
وبعد سقوط النظام البائد وبدء دمشق إعادة مراجعة الاتفاقات الموقعة خلال المرحلة السابقة، بدأت مفاوضات لإعادة تنظيم الوجود الروسي في المرفأ وتحديد المنشآت ذات الطابع العسكري وتلك التي يمكن إعادتها إلى الاستخدام المدني.
وأفضت التفاهمات الجديدة إلى استعادة الدولة السورية إدارة الرصيف الرابع وساحات التخزين والمنشآت المدنية التابعة له، وبدء إدخاله مجدداً في الخدمة التجارية.
وبذلك تنتقل أهمية الرصيف الرابع من كونه منشأة ارتبطت لسنوات بالوجود الروسي إلى كونه جزءاً من محاولة أوسع لإعادة بناء قطاع النقل البحري السوري.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الاستعادة لن تقاس فقط برفع العلم السوري فوق الرصيف أو زيادة عدد السفن التي يمكن استقبالها، وإنما بقدرة دمشق على دمجه ضمن منظومة لوجستية متكاملة تربط المرفأ بالسكك الحديدية والطرق الدولية والمدن الصناعية، وتعيد وصل الساحل السوري بأسواق العراق والأردن والخليج.
وعندها فقط يمكن للرصيف الرابع أن ينتقل من عنوان لاستعادة السيادة على منشأة بحرية إلى نقطة انطلاق لمشروع اقتصادي أوسع يعيد لمرفأ طرطوس دوراً إقليمياً فقده خلال سنوات الحرب والعزلة.






















