آراء
الولايات المتحدة
6 دقيقة قراءة
كيف تهز أزمة هرمز ثقة الحلفاء بالضمانات الأمريكية؟
ورغم هذه الأهمية للملاحة في مضيق هرمز، فقد بدا واضحاً بعد جولة القتال بين الولايات المتحدة وإيران، أن واشنطن تواجه صعوبة في ضمان المرور الآمن للسفن التجارية وناقلات النفط عبر المضيق.
كيف تهز أزمة هرمز ثقة الحلفاء بالضمانات الأمريكية؟
تُعد حماية حرية الملاحة أحد الأعمدة الجوهرية للهيمنة الأمريكية والنظام الدولي الذي تقوده واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية / Reuters

"لقد فعلت إيران بالبحرية الأمريكية ما فعلته أوكرانيا بالبحرية الروسية: فرضت سيطرتها على ممر مائي حيوي دون سفن وطائرات بحرية تقليدية". هكذا علّق مارك كانسيان، ضابط المارينز السابق والباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية " CSIS" على ما يجري في مضيق هرمز. 

تُعد حماية حرية الملاحة أحد الأعمدة الجوهرية للهيمنة الأمريكية والنظام الدولي الذي تقوده واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد شدد قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق الجنرال مايكل كوريلا، في شهادته أمام مجلس الشيوخ منتصف عام 2025، على هذه الأهمية، رابطاً بين حرية الملاحة، والازدهار الاقتصادي الأمريكي، وردع الخصوم. فالمنطقة الواقعة ضمن نطاق مسؤوليته تضم ثلاثة من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، وهي ممرات يمر عبرها ما يقرب من ثلث تجارة النفط البحرية وشحن الحاويات عالمياً، فيما يحتوي الخليج على نحو نصف الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط والغاز الطبيعي. ولهذا، تنظر واشنطن إلى أمن هذه الممرات باعتباره شرطًا لاستمرار النظام الاقتصادي العالمي الذي تستند إليه قوتها ذاتها.

وتشير دراسة نشرتها دائرة أبحاث الكونغرس بعنوان "أساسيات الدفاع: الجغرافيا والاستراتيجية وتصميم القوات الأميركية" إلى أن القوة العسكرية الأمريكية صُممت على أساس القدرة على الانتشار عبر المحيطات، وتأمين خطوط الاتصال البحرية، وخوض عمليات عسكرية بعيدًا عن الأراضي الأمريكية، وهو ما يفسر امتلاك واشنطن لأساطيل ضخمة من حاملات الطائرات والغواصات النووية وسفن الإمداد بعيدة المدى. ولهذا، حذر كوريلا من أن تآكل مبدأ حرية الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق هرمز لا يهدد تدفق التجارة والطاقة فقط، إنما يضرب أيضًا مصداقية الردع الأمريكي، بما في ذلك في مواجهة الصين في المحيط الهادئ، كما حذر من أن شركاء الولايات المتحدة سينظرون في جميع الخيارات إذا بدت واشنطن عاجزة عن حماية الممرات البحرية الحيوية.

ورغم هذه الأهمية للملاحة في مضيق هرمز، فقد بدا واضحاً بعد جولة القتال بين الولايات المتحدة وإيران، أن واشنطن تواجه صعوبة في ضمان المرور الآمن للسفن التجارية وناقلات النفط عبر هرمز. فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، أدى إغلاق المضيق إلى خسارة نحو 12.8 مليون برميل نفط يومياً من إمدادات النفطـ ما حول أزمة هرمز إلى اختبار لمصداقية الولايات المتحدة.

لماذا يصعب فتح مضيق هرمز؟

كشفت الأزمة عن فجوة بارزة بين قدرة الولايات المتحدة على تدمير جانب كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، وقدرتها على فرض ملاحة آمنة داخل المضيق. فالحروب البحرية التقليدية صُممت لمواجهة أساطيل وسفن، بينما تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على أدوات منخفضة الكلفة وغير متكافئة، تشمل الألغام البحرية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الساحلية، والهجمات على السفن والبنية النفطية.

ويجعل هذا النمط من التهديدات فتح المضيق بصورة آمنة أكثر تعقيداً من مجرد تدمير قطع بحرية إيرانية. فالولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات ضد إيران، لكنها في المقابل تحتاج إلى وجود بحري وجوي ضخم لحماية السفن التجارية على مدار الساعة، وضمان عدم تكرار الهجمات أو زرع الألغام.

وقد بدا لافتاً حجم التخبط داخل الاستراتيجية الأمريكية تجاه الأزمة. فالرئيس ترامب تساءل بداية الحرب عمّا إذا كان ينبغي ترك مسؤولية فتح المضيق للدول التي تستخدمه، ثم انتقل إلى التهديد بتدمير محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح المضيق خلال 48 ساعة، وبعد ذلك عاد ليطرح فكرة مشروع مشترك مع إيران لفرض رسوم عبور عبر المضيق، وصولًا إلى حديثه عن أن التحكم في هرمز "قد يكون من طرفه ومن طرف آية الله في إيران". كذلك قال وزير الحرب الأمريكي هيغسيث إن "هذه الحرب لا ينبغي أن تكون حرب أمريكا بمفردها، فنحن بالكاد نستخدم المضيق"، ثم أعلن الرئيس ترامب "مشروع الحرية" لتأمين الملاحة في هرمز، ثم علق المشروع بعد يومين فقط من تدشينه بحجة الاستجابة لوساطة باكستان.

إن هذا التناقض بين التهديد بالتصعيد، والحديث عن تقاسم إدارة المضيق مع إيران، ومحاولة تحميل الحلفاء مسؤولية حماية المضيق، وإطلاق "مشروع الحرية" ثم تعليقه مع الإبقاء على الحصار البحري على إيران، يشير إلى غياب تصور أمريكي متماسك لحل الأزمة، والتخبط في التعاطي معها.

أزمة ثقة بالحليف الأمريكي

وجدت الدول الأوروبية والآسيوية التي تعتمد بصورة كبيرة على نفط الخليج، نفسها أمام معضلة: فهي تحتاج إلى بقاء المضيق مفتوحًا، لكنها لا تريد الانخراط في حرب مع إيران. ولهذا، لم يكن مفاجئًا أن واجهت دعوات ترامب لحلفاء الناتو بالمشاركة في فتح المضيق استجابة محدودة. فقد لوّح الرئيس الأمريكي بأن الناتو يواجه مستقبلًا سيئًا للغاية إذا فشل في المساعدة في فتح مضيق هرمز، مذكرًا الأوروبيين بالدعم الأمريكي لأوكرانيا، ومشيرًا إلى أن الوقت قد حان لكي يرد الحلفاء الجميل. 

غير أن الرد الأوروبي اتسم بالتردد والحذر. فالدول الأوروبية رأت أن الحرب مع إيران ليست حرب الناتو، وأن واشنطن لم تستشر حلفاءها بصورة كافية قبل التصعيد. ولهذا، فضلت عدة عواصم، وفي مقدمتها لندن وبرلين، تجنب الانخراط في مواجهة قد تتحول إلى حرب استنزاف مطولة في الخليج. وفي هذا السياق، كتب أستاذ العلاقات الدولية ستيفن والت "إن حلفاء واشنطن ليس لديهم دافع يُذكر لإنقاذ ترمب من أخطائه، وأنهم يفضلون تقليل اعتمادهم على شريك أصبح أقل قابلية للتنبؤ وأكثر ميلًا لفرض الأعباء على الحلفاء دون تنسيق كافٍ".

وتكشف هذه المواقف أن الحلفاء الذين اعتادوا لعقود النظر إلى الولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيسي لحرية التجارة والطاقة، بدأوا يرون أن واشنطن قد أصبحت جزءًا من عدم الاستقرار، سواء بسبب سياساتها التصعيدية أو بسبب عجزها عن إنهاء الحرب التي بدأت بها.

وقد دفعت أزمة هرمز فرنسا وبريطانيا إلى محاولة ملء جزء من الفراغ عبر إطلاق مبادرة بحرية مشتركة لتأمين الملاحة تحت اسم "المجموعة متعددة الاختصاصات للشرق الأوسط"، بمشاركة نحو 40 دولة أوروبية وآسيوية. وأعلن وزير الدفاع البريطاني أن مساهمة بلاده ستشمل سفينة حربية، وطائرات تايفون، ومنظومات آلية لكشف الألغام البحرية، وأخرى مضادة للمسيّرات، مع تخصيص تمويلً بقيمة 115 مليون جنيه إسترليني لدعم المهمة، مع التأكيد أن المهمة دفاعية ومستقلة، في محاولة لتجنب أي انطباع بأنها جزء من تحالف هجومي ضد إيران.

 لكن المبادرة كشفت بدورها حدود القدرة الأوروبية على التحول إلى بديل فعلي للمظلة الأمنية الأمريكية. فوفق التقديرات الفرنسية، تحتاج المهمة إلى ما لا يقل عن 8 فرقاطات بحرية، بينما لم تتمكن الدول المشاركة حتى الآن سوى من توفير نحو 6 فرقاطات فقط، إضافة إلى نقص في المروحيات وطائرات الدورية البحرية والقدرات الجوية اللازمة لتأمين عملية فاعلة داخل بيئة عالية التهديد. كما برز خلاف أوروبي بشأن قواعد الاشتباك وآليات الرد في حال تعرض السفن لهجمات إيرانية. ورفضت إسبانيا المشاركة، مشيرة إلى أنها قد تعيد النظر فقط إذا صدر تفويض من مجلس الأمن الدولي.

ولهذا، لم يكن مستغربًا أن يتحدث وزير الدفاع الألماني بلهجة ساخرة قائلا: "هل يتوقع العالم أن تنجز فرقاطتان أوروبيتان ما لا تنجزه البحرية الأمريكية القوية في مضيق هرمز؟"، أما المؤرخ والباحث الأمريكي روبرت كاجان فكان أكثر حدة، إذ وصف المبادرة الأنجلو فرنسية بأنها مثيرة للسخرية، مشيرًا إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أوضح أن التحالف لن يعمل إلا في ظل ظروف سلمية، أي أنه "سيقوم بمرافقة السفن، ولكن فقط إذا لم تكن بحاجة فعلية إلى مرافقة". وخلص كاغان إلى أن مضيق هرمز لن يُفتح كما كان في السابق، وأن دور الولايات المتحدة سيتراجع بصورة كبيرة، بما سيؤدي إلى إعادة تشكيل توازنات القوى إقليميًا وعالميًا، وسيدفع الحلفاء للبحث عن مصالحهم الخاصة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.



مصدر:TRT Arabi
اكتشف
السعودية تعلن اعتراض وتدمير 3 مسيّرات قادمة من العراق وتؤكد احتفاظها بحق الرد
قطر تجري اتصالات مكثفة لخفض التصعيد بالمنطقة.. ومباحثات إماراتية إثر استهداف محيط منشأة نووية
روسيا تتهم كييف بقصف محطة زابوريجيا النووية.. و4 قتلى جراء هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة
ترمب يهدد إيران: الوقت ينفذ.. ويبحث مع نتنياهو "إمكانية استئناف" الحرب
"خرق فاضح".. تنديد فلسطيني بقرار إسرائيلي إقامة مقرات عسكرية على أرض الأونروا بالقدس
إصابة 4 عسكريين إسرائيليين بعبوة ناسفة جنوبي لبنان.. و"حزب الله" يعلن استهداف قوات وآليات
الصين تحذر واشنطن بشأن تايوان وتدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار مع إيران
تقارير: واشنطن تطرح 5 شروط على طهران لاستئناف المفاوضات معها
أبوظبي: استهداف مسيّرة لمولد كهربائي قرب محطة براكة دون تأثير إشعاعي
وسط إهمال طبي.. هيئة شؤون الأسرى الفلسطينية تحذّر من تفشّي الجرب في سجن عوفر
المحكمة الجنائية الدولية تصدر أوامر اعتقال سريّة بحق 5 مسؤولين إسرائيليين
إيران تعيّن قاليباف ممثلاً خاصاً لشؤون الصين بناء على اقتراح الرئيس الإيراني
غزة.. شهيدان وإصابات بقصف إسرائيلي على خان يونس وتوسيع نطاق التوغل شرقي المدينة
واشنطن تُنهي إعفاء النفط الروسي من العقوبات بعد ارتفاع أسعار الطاقة بسبب حرب إيران
حليف مادورو.. فنزويلا ترحّل وزير الصناعة السابق إلى أمريكا للمرة الثانية بتهم فساد وغسل أموال