عقوبات أمريكية على طرفي الصراع في السودان.. هل تفلح في إنهاء الاقتتال؟
أعلنت واشنطن فرضها حزمة من العقوبات على مؤسسات تابعة لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب وضع قيود على منح التأشيرات لبعض قيادات من الطرفين، وكذلك لشخصيات نافذة في نظام الرئيس المعزول عمر البشير.
الخزانة الأمريكية / صورة: AA (AA)

في الأول من يونيو/حزيران الجاري أعلنت واشنطن فرضها حزمة من العقوبات على مؤسسات تابعة لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب وضع قيود على منح التأشيرات لبعض قيادات من الطرفين، وكذلك لشخصيات نافذة في نظام الرئيس المعزول عمر البشير.

وشملت العقوبات الأمريكية الأخيرة أربع شركات سودانية مرتبطة بقوتين متحاربتين "تؤججان الصراع في السودان" وفقاً لبيان وزارة الخزانة الأمريكية، وهي، شركة الجنيد للأنشطة المتعددة وتراديف للتجارة العامة التابعتين إلى قوات الدعم السريع، إلى جانب كل من منظومة الصناعات الدفاعية وشركة ماستر تكنولوجي السودان، المرتبطتين بالقوات المسلحة السودانية.

وتأتي هذه العقوبات عقب تعليق الجيش السوداني مشاركته في مفاوضات جدة التي ترعاها الولايات المتحدة والسعودية، متهماً قوات الدعم السريع بعدم الالتزام ببنود الهدنة بينهما.

وكان الوسيطان الأمريكي والسعودي تمكنا من إقناع الطرفين بالإعلان عن مجموعة من الهدن التي كانت تُخترق بشكل متواصل، وهو ما دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، إلى الإعلان عن أن تلك الإجراءات اتُخذت رداً على عدم وفاء الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالتزاماتهما المتفق عليها في جدة.

أجندة أمريكية خاصة

وتؤشر هذه العقوبات إلى رغبة واشنطن في وقف الاقتتال وكبح جماح المأساة التي "يجب أن تنتهي" في السودان كما صرّح مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جاك سوليفان في بيانه.

من جانبه يذهب المختص في الشؤون الإفريقية، الدكتور محمد عبد الكريم، إلى أن "عودة واشنطن إلى فرض عقوبات تدريجية على من تعتبرهم أطراف الأزمة في السودان تأتي للضغط باتجاه تطبيق أجندتها الخاصة".

ويوضح عبد الكريم في تصريحه لـ"TRT عربي"، بأن ملامح هذه الأجندة تكشفت منذ سقوط عمر البشير، وهي أجندة تعني "بالتوصل إلى حلول جزئية ومرحلية لا تعبر بالضرورة عن مصلحة السودان كدولة، ولكنها تأتي تلبية للرؤية الأمريكية في المقام الأول، من قبيل فرض تسوية "ديمقراطية" شكلية وغير شاملة"، على حدّ قوله.

ويضيف عبد الكريم أن "الضغط الأمريكي الذي استهدف أربع شركات تابعة للجيش وقوات الدعم السريع يعني استهدافاً مباشراً للمؤسسة العسكرية السودانية، وليس لقوات الدعم رغم انتهاك الأخيرة العديد من المعايير الأمريكية في الإقليم وسياساته".

في المقابل يرى الباحث السوداني والمختص في الشؤون الإفريقية، الدكتور محمد تورشين، أن "واشنطن سعت من خلال هذه العقوبات إلى محاولة الضغط على طرفي الصراع، وهما الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حتى يتسنى لهما الاستمرار والانخراط في مباحثات جدة بجدية وبفاعلية أكبر".

ويعتقد تورشين "أن هذا هو الهدف الرئيس الذي جعل واشنطن تفرض هذه العقوبات"، معللاً ذلك بأن "واشنطن لم تتشدد في هذه العقوبات بقدر كبير، ولذلك فلربما تكون مقدمة لحزمة أخرى أقسى إذا لم يتحقق الهدف من هذه العقوبات المبدئية أو الأولية".

ردود فعل الطرفين

وفي سياق توضيح موقف طرفي الحرب السودانية من هذه العقوبات، يذهب عبد الكريم إلى أنه "لم تتضح حتى الآن ردود الفعل بشكل محدّد"، متوقعاً أن "يمتص الجيش السوداني هذه الصدمة مرحلياً ويكثف ضغطه على قوات حميدتي لتحقيق مكاسب على الأرض قبل البدء في جولة أخرى من "المحادثات" على أسس تفضيلية للجيش".

أما قوات الدعم السريع، وفقاً لعبد الكريم، فإنها ستعوّل "بكل تأكيد على تمويلات خارجية لاستمرار خط الحياة الاقتصادي لدى هذه القوات واستمرار عمليات تهريب الذهب السوداني بكميات كبيرة في الفترة المقبلة".

من جانبه يذهب محمد تورشين إلى أن ردود فعل الطرفين إزاء هذه العقوبات "متباينة".

ويمضي موضحاً في تصريحه لـ"TRT عربي" أن الدعم السريع "أبدى أسفه وأكد أن هذه العقوبات جُرّبت سابقاً مع نظام المؤتمر الوطني السابق، لكنها لم تحدث أي اختراق أو آثار".

كما أضاف عبد الكريم أن "الجيش السوداني أكد أنّ ليس لهذه العقوبات تداعيات كبيرة عليه، فنشأة منظومة الصناعات الدفاعية تمّت إبان العقوبات على نظام المؤتمر الوطني".

مدى فعالية العقوبات

ورغم الطابع الاقتصادي للعقوبات الأمريكية فإن الغاية منها إضعاف القدرة العسكرية لطرفي الصراع، إذ أوضحت وزيرة الخزانة الأمريكية "جانيت يلين" أن العقوبات تهدف إلى تجفيف المنابع المالية الرئيسة للجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بما يحرمهم من "الموارد التي يحتاجون إليها لسداد مدفوعات الجنود وإعادة التسلّح وإعادة الإمداد وشن الحرب في السودان".

لكن تورشين بدوره لم يوافق رأي وزيرة الخزانة الأمريكية، موضحاً أن طرفي الحرب السودانية أكدا أن هذه العقوبات لن تكون مجدية ولن تغير الكثير.

واستطرد تورشين بالقول، "إن واشنطن ما دامت فرضت هذه العقوبات بشكل أحادي ولم تشمل بها كل الأطراف التي يمكن أن تتعامل مع الجيش وقوات الدعم السريع في المستقبل، فإن العقوبات ربما تضعف قوة موقف الولايات المتحدة الأمريكية"معللاً ذلك بأن "طرفي الصراع السوداني لديهما خيارات أخرى للتعامل مع مورّدين جدد للسلاح".

ويمضي تورشين قائلاً في تصريحه لـ"TRT عربي" إن "الحكومة السودانية لديها شركاء وعلاقات جيدة مع الصين التي أصبحت من كبرى الدول المصدرة للسلاح في العالم، كما أن لديها علاقات جيدة مع كثير من دول الاتحاد الأوروبي كألمانيا وفرنسا إلى حدّ ما، فضلاً عن ذلك مع قوى إقليمية مهمة مثل تركيا".

كما يرجح تورشين أن تدفع هذه العقوبات قوات الدعم السريع إلى "توسيع علاقاتها مع فاغنر بشكل أوسع، ومن المحتمل أيضاً أن يستعين محمد حمدان دقلو قائد الدعم السريع بإسرائيل".

من جانبه يرى الدكتور محمد عبد الكريم أن تأثيرات هذه العقوبات في الجيش السوداني بعيدة المدى، مستدركاً أنه من الممكن أن تستفيد القوات المسلحة السودانية من "التغيّرات الدولية الحالية"، مبدياً التخوّف أن "تكون هذه العقوبات تمهيداً إلى سلسلة أخرى من سياسات العقوبات الأمريكية المعهودة، وخاصة أنها تحظى الآن بدعم سعودي كبير".

هل هذه العقوبات مجرّد بداية؟

ميدانياً لم يكن لعقوبات واشنطن تأثير فوري في سير المعارك التي ما تزال محتدمة في أكثر من منطقة في البلاد، ويرى محمد تورشين أنه حتى على المدى البعيد "لن تعيق الإجراءات الأمريكية تدفقات السلاح إلى طرفي الصراع، وهذا معروف في كل التجارب سواء التجربة الإثيوبية أو تجربة جنوب السودان".

ويعرب تورشين عن اعتقاده بأن إخفاق العقوبات الأخيرة في وقف تدهور الأوضاع سيفتح الباب أمام فرض المزيد منها على الشركات والشخصيات والقيادات العسكرية.

ويتوقع تورشين أن تتخذ واشنطن هذه الخطوات بالتنسيق مع بعض القوى المتعاونة معها، "ولا سيما القوى الإقليمية ممثلة في جنوب السودان وإثيوبيا ومصر وبعض القوى الأخرى، والخليجية كالإمارات وكذلك السعودية، فضلاً عن ذلك ستكون تلك الخطوات بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي الشريك المهم للولايات المتحدة الأمريكية".

وهو ما يوافقه فيه محمد عبد الكريم موضحاً أن خطوات واشنطن المقبلة "ستتوقف على مشاوراتها مع شريكيها الحاليين في الملف السوداني (الإمارات والسعودية) ورؤيتهما للمرحلة المقبلة في السودان، وكذلك على مدى استجابة البرهان لهذه الأزمة بعد قراره الخروج من محادثات جدة".

TRT عربي