ونقلت صحيفة واشنطن بوست، الاثنين، عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن البنتاغون يستعد لأسابيع من العمليات البرية داخل إيران، في خطوة قد تمثل تحولاً في مسار الحرب.
ووفق المسؤولين، فإن أي تدخل بري محتمل لن يصل إلى مستوى الغزو الشامل، بل سيرتكز على عمليات محدودة تنفذها قوات مختلطة من الوحدات الخاصة والمشاة التقليدية. وأوضحوا أنهم تحدثوا للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، نظراً إلى حساسية الخطط العسكرية التي يجري إعدادها منذ أسابيع.
وحسب التقرير، ناقشت الإدارة الأمريكية خلال الشهر الماضي سيناريوهات تشمل السيطرة على جزيرة خرج، التي تُعد مركزاً رئيسياً لصادرات النفط الإيراني في الخليج، إلى جانب تنفيذ غارات في مناطق ساحلية قرب مضيق هرمز، بهدف تحييد الأسلحة التي تستهدف الملاحة التجارية والعسكرية.
وأشار أحد المسؤولين إلى أن تنفيذ هذه الأهداف قد يستغرق "أسابيع وليس أشهراً"، في حين قدّر آخر أن تمتد العمليات المحتملة إلى نحو شهرين.
تحشيد عسكري متصاعد
وأفادت صحيفة نيويورك تايمز، نقلاً عن مسؤول أمريكي، بأن عدد القوات الأمريكية في المنطقة ارتفع إلى نحو 50 ألف جندي، بزيادة تقارب 10 آلاف عن المعدل المعتاد، الذي يبلغ عادة نحو 40 ألف جندي موزعين على قواعد وسفن في دول عدة، بينها السعودية والبحرين والعراق وسوريا والأردن وقطر والإمارات والكويت.
ولا يشمل هذا الرقم نحو 4500 عنصر كانوا على متن حاملة الطائرات USS Gerald Ford، التي غادرت المنطقة في 23 مارس/آذار متجهة إلى جزيرة كريت، قبل أن تصل لاحقاً إلى كرواتيا، عقب تعرضها لسلسلة أعطال متكررة، من بينها حريق في أحد أقسامها، فيما لا تزال وجهتها التالية غير معلنة.
وفي سياق متصل، أمر البنتاغون الأسبوع الماضي بإرسال نحو 2000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى الشرق الأوسط، في خطوة تهدف إلى توسيع الخيارات العسكرية المتاحة أمام الرئيس دونالد ترمب.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أن وحدات من القوات الخاصة، تضم عناصر من الرينجرز التابعة للجيش وسيلز البحرية، وصلت إلى المنطقة دون أن تُكلف حتى الآن مهام محددة، في ظل حساسية المرحلة وتكتم الجهات العسكرية على تفاصيل الانتشار.
ورغم هذا التعزيز العسكري، يحذر خبراء من محدودية هذه الأعداد في حال الاتجاه نحو عمليات برية واسعة. إذ تشير المقارنات إلى أن إسرائيل استخدمت أكثر من 300 ألف جندي في عملياتها بقطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما بلغ عدد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة خلال غزو العراق عام 2003 نحو 250 ألف جندي في مرحلته الأولى.
اليورانيوم
في موازاة الحشد العسكري، برز هدف أكثر حساسية في الحسابات الأمريكية يتمثل في السيطرة على البرنامج النووي الإيراني، إذ نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين، الأحد، أن الرئيس دونالد ترمب يدرس تنفيذ عملية عسكرية لاستخراج نحو ألف رطل من اليورانيوم من داخل إيران.
وبحسب الصحيفة، لم يتخذ ترمب قراراً نهائياً حتى الآن، لكنه يقيّم المخاطر المحتملة على القوات الأمريكية، في وقت يدفع فيه مستشاريه للضغط على طهران من أجل تسليم هذه المواد كشرط لإنهاء الحرب.
وتشير التقديرات إلى أنه قبل الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو/حزيران الماضي، كانت إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، إضافة إلى نحو 200 كيلوغرام من مواد انشطارية مخصبة بنسبة 20%، وهي مستويات يمكن تطويرها إلى استخدامات عسكرية.
وترى الإدارة الأمريكية، وفق التقرير، أن تنفيذ عملية محدودة للسيطرة على هذه المواد قد يكون ممكناً دون الانزلاق إلى حرب طويلة، مع احتمال إنهاء النزاع بحلول منتصف أبريل/نيسان.
كما تشير التقديرات إلى أنه في حال عدم توفر مطار قريب، قد تضطر القوات إلى إنشاء مدرج مؤقت لنقل المعدات وإخراج المواد النووية، في عملية قد تستغرق عدة أيام، وربما تمتد إلى أسبوع كامل.
جزيرة خرج
في سياق الخيارات العسكرية المطروحة، تبرز جزيرة خرج كأحد الأهداف الرئيسية المحتملة، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي ودورها المحوري في صادرات النفط الإيرانية.
فقد أفادت صحيفة نيويورك تايمز، الثلاثاء الماضي، بأن مسؤولين في البنتاغون يدرسون نشر وحدة إنزال جوي قوامها نحو 3 آلاف عنصر، ضمن خطط الحرب على إيران، مع إمكانية استخدامها في أي هجوم محتمل على الجزيرة.
وتقع جزيرة خرج على بعد نحو 30 كيلومتراً من السواحل الإيرانية في الخليج، وتُعد من أبرز المراكز الحيوية لصادرات النفط، ما يجعلها هدفاً ذا قيمة استراتيجية عالية في أي تصعيد عسكري.
وفي ظل هذا الطرح، حذر الباحث مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، من المخاطر المرتفعة المرتبطة بالسيطرة على الجزيرة، مشيراً إلى أن خيار فرض حصار بحري أو زرع ألغام حولها قد يكون أكثر أماناً من محاولة السيطرة المباشرة.
وقال آيزنشتات إن الوجود العسكري في "مكان صغير كهذا" يضع القوات تحت تهديد مباشر لقدرات إيران، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والمدفعية، ما يجعلها عرضة لهجمات مستمرة.
وأضاف أن الخيار الأكثر فاعلية قد يتمثل في تنفيذ عمليات برية سريعة تستهدف مواقع عسكرية ساحلية تشكل تهديداً للملاحة، خاصة قرب مضيق هرمز، مع تجنب تثبيت القوات في مواقع ثابتة لفترات طويلة.
وفي واشنطن، يعكس النقاش السياسي انقساماً واضحاً حول هذا الخيار، إذ أعلن النائب ديريك فان أوردن، وهو ضابط سابق في قوات "سيلز"، معارضته نشر قوات على الأراضي الإيرانية، معتبراً أن الأهداف الاستراتيجية يمكن تحقيقها دون ذلك.
كما أكدت النائبة نانسي مايس رفضها دعم أي انتشار بري في إيران.
في المقابل، دعا السيناتور ليندسي غراهام إلى المضي قدماً في هذا المسار، مطالباً بالسيطرة على جزيرة خرج، ومشبهاً ذلك بعملية الاستيلاء على جزيرة إيو جيما خلال الحرب العالمية الثانية، قائلاً: "قمنا بإيو جيما، ويمكننا القيام بهذا أيضاً... أراهن دائماً على مشاة البحرية".
حصن الجغرافيا
استبعد الخبير العسكري العقيد المتقاعد نضال أبو زيد في حديث مع TRT عربي إمكانية تنفيذ عملية برية أمريكية واسعة داخل إيران في المرحلة الحالية، مرجّحاً أن تقتصر الخيارات المطروحة على عمليات إنزال محدودة وانتقائية، في ظل تعقيدات ميدانية وجغرافية كبيرة.
وأكد أبو زيد أن التحدي الأكبر أمام أي عمل بري يتمثل في طبيعة الجغرافيا الإيرانية، التي وصفها بأنها “قلعة طبيعية”، إذ تحيط بها الجبال من جهات عدة، بينها جبال البرز شمالاً، إضافة إلى الصحارى والهضبة الإيرانية، ما يشكل عائقاً طبيعياً أمام أي تقدم بري.
وأضاف أن خيار الإنزال الجوي في العمق الإيراني، رغم كونه الأكثر احتمالاً، يواجه بدوره تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة التضاريس، وقدرة القوات البرية الإيرانية، إضافة إلى التماسك الداخلي للدولة، ما يقلل من فرص الاعتماد على دعم داخلي لأي عمليات.
كما لفت إلى أن تجربة عملية مخلب النسر لا تزال حاضرة في الذهنية العسكرية الأمريكية، لما انتهت إليه من خسائر كبيرة وفشل ميداني.
وأوضح أن التلويح باستخدام القوة البرية قد يكون موجهاً للضغط على إيران، سواء عبر التهديد بالسيطرة على مضيق هرمز أو احتلال جزيرة خارك، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات أو الذهاب إلى طاولة المفاوضات.
التحديات اللوجستية
بدوره أوضح العميد المتقاعد الخبير العسكري أكرم سريوي في حديث مع TRT عربي أن الحرب “وصلت إلى طريق مسدود”، مشيراً إلى أن القصف الجوي لم ينجح في تحقيق أهدافه أو إسقاط النظام الإيراني، الذي لا يزال متماسكاً وقادراً على خوض حرب طويلة وإطلاق الصواريخ والمسيّرات في مختلف الاتجاهات.
وأضاف أن الولايات المتحدة تبحث عن “خرق” في هذه الحرب، معتبراً أن هذا الخرق “لن يتحقق بمزيد من القصف الجوي، بل بعمل بري.
لكن هذا العمل يواجه وفقاً ل سريوي حديات عدة أبرزها تأمين حماية القوات، إلى جانب الحاجة إلى معلومات استخباراتية دقيقة.
وأشار إلى أن أي عملية طويلة الأمد تتطلب نقل دفاعات جوية وقدرات عسكرية كبيرة، في حين أن إيران تمتلك جيشاً كبيراً قادراً على استنزاف أي قوة مهاجمة، خصوصاً في العمق الإيراني، حيث تزداد صعوبة الإمداد اللوجستي.
وختم سريوي بالإشارة إلى أن التحركات العسكرية الأمريكية ترتبط أيضاً بمسار المفاوضات، لافتاً إلى أن تصريحات دونالد ترمب المتكررة حول إمكانية التوصل إلى حل قد تكون جزءاً من “خطة خداعية” تمهّد لعمليات عسكرية.
وأشار إلى أن القوات الأمريكية “جاهزة وقادرة على تنفيذ مهامها”، لكن أي عملية برية داخل إيران ستظل محفوفة بمخاطر كبيرة، وقد تؤدي إلى خسائر مؤكدة.
وبذلك، يخلص التقييم إلى أن الخيار البري الأمريكي، إن تم اللجوء إليه، سيكون محدوداً وانتقائياً، في ظل تعقيدات ميدانية واستراتيجية تحول دون تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق داخل إيران.
كارثية الخيار البري
وأشار القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية جوزيف فوتيل، في مقابلة مع موقع The War Zone، أن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ إنزال عسكري في جزيرة خارك ، لكنه أبدى تحفظاً واضحاً على جدوى الخطوة، مشيراً إلى أن قرب الجزيرة من الساحل الإيراني، بمسافة لا تتجاوز نحو 20 ميلاً، يجعل أي قوة تنتشر فيها ضمن مدى التهديد المباشر للقدرات العسكرية الإيرانية، ما يعرّضها لخطر مستمر.
كما شكك في أن يحقق هذا الانتشار ميزة تكتيكية نوعية لا يمكن تحقيقها من مواقع بديلة أكثر أمناً وتوفراً للبنية التحتية والدعم.
وأكد فوتيل أن نشر قوات على الأرض لا يعني فقط السيطرة على موقع، بل يفرض سلسلة التزامات معقدة، تشمل الإمداد المستمر، والإخلاء الطبي، وتأمين الحماية، والحفاظ على استمرارية الوجود العسكري، ما يستدعي بنية لوجستية متكاملة تحتاج بدورها إلى حماية.
ووفق تقديراته، فإن تنفيذ مهمة في جزيرة بحجم خرج سيتطلب قوة بحجم كتيبة، أي ما بين 800 وألف جندي تقريباً، ما يعكس أن العملية، رغم محدودية هدفها، ليست بسيطة أو منخفضة التكلفة.
أما في ما يتعلق بخيار استهداف أو استعادة اليورانيوم المخصب، فيرى فوتيل أن التعقيد يتضاعف بشكل كبير، إذ يتطلب ذلك نقل العمليات إلى عمق الأراضي الإيرانية، في مواقع مثل نطنز أو أصفهان، التي تقع على بعد مئات الكيلومترات داخل البلاد.
وأوضح أن مثل هذه العمليات تحتاج إلى نشر قوات خاصة لتنفيذ المهمة، إلى جانب قوة أمنية كبيرة لتأمين الموقع، قد تصل إلى مستوى لواء، أي ما بين ألف إلى أربعة آلاف جندي، فضلاً عن دعم جوي مستمر، ودوريات قتالية، وقدرات استخبارات ومراقبة واستطلاع على مدار الساعة.
وأضاف أن التحدي اللوجستي سيبقى عاملاً حاسماً، إذ يتعين تأمين خطوط الإمداد، وتوفير وسائل نقل كافية، سواء عبر الطائرات العمودية أو ثابتة الجناح، لنقل القوات والمعدات وإجلائها عند الحاجة.
كما لفت إلى تعقيد إضافي يتمثل في التعامل مع المواد النووية نفسها، حيث يُقدّر حجم اليورانيوم عالي التخصيب بنحو 450 كيلوغراماً، ما يعادل قرابة ألف رطل، وهي مادة خطرة تتطلب إجراءات دقيقة للتخزين والنقل، إلى جانب تحديد موقع آمن لإعادة توطينها.






